والحق أنّ الجهاد بالمال أعمّ وأشمل، وهو جهاد الصغير والكبير والمرأة والرجل، وكل من يملك المال يمكن أن يتبرع، وماذا يفعل الرجل بنفسه إذا لم يجد ذخيرة أو زادًا يتزوّد به؟ وخاصة في مثل أيامنا هذه، حيث صارت الحرب حرب اقتصاد والغلبة غلبة إنتاج، وليست كثرة رجال وصليل سيوف، أصبحت الآن المعدات الحربية والتكتيك العسكري له تأثير عظيم، وقد كان الاعتماد سابقًا على قوة الرجال، أمّا اليوم فبقوة الآليات، ومن هذا -مثلا- أنّ الآليات تحتاج إلى مال لشرائها، واستعمالها وإصلاح أعطالها .. الخ.
وهكذا تقديم المال يعطي الصورة الحية لسعة مجال الجهاد الحقيقي، ثم يأتي الرجال بعد ذلك [1] .
ويقول الشيخ المحدّث سلمان العلوان حفظه الله:
إنّ المتأمل للآيات القرآنية يجد أنّ المال مقدّم على النفس في كل آي القرآن سوى موضع واحد، وهو قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) وهذا يدل على عظيم أمر الجهاد بالمال، وأنه يجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، وقد يكون - في وقت - الجهاد بالمال أهمَّ وآكد من الجهاد بالنفس، فإنّ الجهاد يتطلب أموالًا باهظة، ونفقات هائلة، وثروات طائلة لا سيما في عصرنا الراهن، ووقتنا الحالي، فإنّ الجيش يحتاج إلى تغطية نفقاته المختلفة ومشاريعه المتعددة، ولذلك شرّع الإسلام موارد مالية لهذا الغرض العظيم، والوظيفة العظمى، والمهمة الكبرى، وعَدَّدَ تلكم الموارد؛ لكي تظل الأموال تتدفق على القوة العسكرية بجزالة وسخاء وفاءً بجميع متطلباته، كي لا تضعف ميزانية الجيش، والتي متى ما ضعفت كانت عاملًا كبيرًا لضعف القوة العسكرية الإسلامية، وعجزها، بل وهزيمتها ومن ثم تختل قوّة الإسلام، وتقوى قوّة الكفر، ولا يقتصر ذلك على جهاز الجيش وقواته فقط، ولكن تمتد لتتناول كيان الأمة كلها في مواجهة عدوّها الداخلي أو الخارجي ولأجل ذلك جاءت السياسة الشرعية، والكفيلة بمصالح العباد في جميع شؤونهم الحياتية بتعدد الموارد المالية لجميع احتياجات الجيش ومتطلباته، الذي هو الكفيل بعد توفيق الله تعالى وتسديده بأن يسدّ أي نافذة تُنفذ منها إلى كيان الأمة، أو درعها الحصين [2] .
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على فوائد غزوة تبوك:
ومنها: وجوب الجهاد بالمال، كما يجب بالنفس، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد وهي الصواب الذي لا ريب فيه، فإنّ الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه، بل جاء مقدمًا على الجهاد بالنفس في كل موضع، إلا موضعًا واحدًا وهذا
(1) شرح الأربعين النووية دروس صوتيه عطية محمد سالم الشريط 67.
(2) اللآلئ الحسان في كلام العلوان 1/ 232.