فهذه صفحة من حياة الصحابة رضي الله عنهم تضيء بأروع صور السخاء في هذا السبيل؛ ينقلها"ابن عساكر"بصدد الحث على الصدقة للإعداد لغزوة تبوك يقول فيها: وحضّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين على الجهاد، ورغّبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كثيرة وكان أوّل من حمل (أبو بكر الصديق) رضي الله عنه بماله كله أربعة آلاف درهم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أبقيت لأهلك شيئا؟ فقال: الله ورسوله أعلم، وفي رواية (ما وعد الله ورسوله من الرزق خير) ، وأخرى (أبقيت لهم الله ورسوله) .
انظر إلى هذا اليقين والطمأنينه في ما وعده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لمن أنفق في سبيل الله كيف لا وهو الصديق الذي قال الله تعالى فيه {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} ، هذا هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق ولا يبالي ما بقي له في بيته، وكان يعتق الأسارى والعبيد المستضعفين في مكة، وأنفق ماله لنبي الله في الهجرة، فجهّز رواحها ومئونتها، وبذل ماله كله لله ورسوله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله) [1] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه، ما خلا أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن صاحبكم خليل الله) .
ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنصف ماله فقال له رسول لله صلى الله عله وسلم هل أبقيت لأهلك شيئا؟ قال نعم نصف ما جئت به.
وبلغ عمر رضي الله عنه ما جاء به أبو بكر الصديق فقال: ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقني إليه، وحمل العباس بن عبد المطلب وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم مالا، وحمل سعد بن عبادة رضي الله عنه مالا، وكذلك محمد بن مسلمة رضي الله عنه، وتصدق عاصم بن عدي رضي الله عنه بتسعين وسقا تمرا.
وجهّز عثمان بن عفان رضي الله عنه ثلث ذلك الجيش، وكان من أكثرهم نفقة؛ فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذٍ ما يضّر عثمان ما فعل بعد هذا، ورغّب أهل الغنى في الخير والمعروف حتى إن كنّى النساء ليعنّ بكل ما قدرن عليه.
(1) الإصابة في تمييز الصحابة 4/ 17.