بني عمرو بن عوف فاستحملوا رسول الله وكانوا أهل حاجة فقال {لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} .
إنّ عدم وجود المال حائل بين المجاهد وبين عدوه فالله الله في إخوانكم المجاهدين فهم من دافعوا عن دينكم وهم من دافعوا عن أراضيكم وأموالكم وأعراضكم ضدّ أعدائكم، وهم من رفع راية التوحيد والعبودية الخالصة لله تركوا أوطانهم وأبناءهم ونسائهم في سبيل الله والله ناصرهم لا محاله وكفى بالله ناصرا.
يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (لأن أجهّز سوطا في سبيل الله أحبّ إليّ من حجة بعد حجة الإسلام) .
يقول سيد قطب تقبله الله: والذين يخشون العذاب والألم والإستشهاد وخسارة الأنفس والأولاد والأموال إذا هم جاهدوا في سبيل الله، عليهم أن يتأملوا ماذا تكلفهم الدينونة لغير الله في الأنفس والأموال والأولاد، وفوقها الأخلاق والأعراض ... إن تكاليف الجهاد في سبيل الله في وجه طواغيت الأرض كلها لن تكلفهم ما تكلفهم الدينونة لغير الله، وفوق ذلك كله الذل والدنس والعار [1] .
ومن فضله سبحانه على عباده المؤمنين أنه وهو خالقهم ومالكهم وخالق أموالهم ومالكها ورازقهم إيّاها قد عقد صفقة معهم هم فيها البائعون وهو سبحانه المشتري والمبيع هو نفوسهم وأموالهم والثمن هو الجنة التي فيها مالا عين رأت ولا آذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ينالونها ببذل نفوسهم وأموالهم تلك في سبيل الله مقاتلين أعداء الله وهذه الصفقة ثابته بين الله وبين عباده المؤمنين في كل جيل وفي عهد كل رسول سجلها الله في كتبه المنزلة التي ختمها بالقرآن العظيم فمن يرضى لنفسه أن تشذّ عن هذه الصفقة وهذا العقد وهذا الثمن الذي بشر الله به البائعين في محكم كتابه {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .
وبعد هذا الفيض الغامر من كرم الله عز وجل الذي ينتظر أصحاب الصدقات، والتبرعات التي ترصد للجهاد في سبيل الله؛ لا عجب أن نجد الرعيل الأول من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم يتسابقون إلى تلبية نداء الإنفاق في سبيل الله، كلٌ بما تسمح له نفسه.
(1) التربية الجهادية في ضوء الكتاب والسنة (انظر: في ظلال القرآن 4/ 1941) .