وعن أم سنان الأسلمية رضي الله عنها لقد رأيت ثوبا مبسوطا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها فيه مَسَكُ ومَعاضد وخلاخل وأقرطة وخواتيم وقد ملأَ مما بعث به النساء يُعنّ به المسلمين في جهازهم (6) .
فأين أنتن يا نساء المسلمين من سلفكن الصالح؟ أما آن لكن أن تنفقن!
لقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقدّم مالها كلّه في سبيل الله حقّا إنّها بنت الصديق وزوجة سيّد العالمين صلى الله عليه وسلم فقد بعث لها معاوية رضي الله عنه مبلغا كبيرا من المال فأنفقته كلّه في سبيل الله ولم تبق منه درهما فقالت لها خادمتها: لو تركتي لنا درهما نشتري به لحما!
قالت: نسيت لو ذكرتني لفعلت!! [1] .
لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسابقون إلى تنفيذ أوامره كلها ويتنافسون في ذلك ما داموا قادرين على ذلك، لا فرق عندهم بين بذل المال أو النفس أو غيرهما [2] .
وهذا سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه يقول وهو على فراشه: إذا متّ فانظروا إلى سلاحي وفرسي، فاجعلوه عدّة في سبيل الله [3] .
فهذا العطاء والسبيل لم يقف هنا وحسب بل استمر هذا التنافس جيل بعد جيل امتثالا لأمر الله واتّباعا للنبي صلى الله عليه وسلم فهو متوارث بدماء المؤمنين الصادقين وهذا مصداقا لقول الرسول صل الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين) .
فمن روائع حكايات المنفقين في سبيل الله حكاية المرأة التي قدّمت زوجها وأبناءها شهداء في سبيل الله، وأنفقت مالها في سبيل الله، بل وقصّت شعرها وتصّدقت به في سبيل الله، وخلاصة القصة:
أنّ أبا قدامة الشامي رجل حبب الله له الجهاد في سبيل الله، وقد خاض معارك عديدة في غزوه الروم، وجلس يوما في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، يحدّث عن بعض غزواته فطلب منه الجالسون أن يحدّثهم عن أعجب قصصه في الجهاد فأخبرهم عن أعجب ما وقع له في الجهاد أنّه توجّه يوما لحرب الروم فمرّ بمدينة الرّقة على نهر الفرات، ليشتري منها جملا يجاهد عليه وبينما كان في الرقة أتته امرآة، وأخبرته أنّها
(1) مشارع الأشواق 118.
(2) الجهاد في سبيل الله حقيقة وغاية 1/ 490.
(3) التربية الجهادية في ضوء الكتاب والسنة 66.