الصفحة 345 من 426

... وقد يغني عن إعادةِ لفظ الكلمة إعادةُ المعنى، وهذا وارد في خطاب العهد المدني، في باب المبتدأ والخبر في قوله تعالى: { تَحِيّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ } [الأحزاب: 44] ، فهنا صلح ربط المبتدأ بالخبر؛ لأن الخبر هو عين المبتدأ في المعنى؛ فالتحية هي السلام، والسلام هو التحية [1] ، فلذلك هذا العود قريب في أهميته من إعادة الذكر [2] . وثمة نوع آخر من وسائل إنعاش الذاكرة، في خطاب العهد المدني، هو إعادة ذكر صدر الكلام بعد أن حال بينه وبين ما يتعلق به فاصل طويل من الكلام، وجعله مظنة النسيان؛ فإذا أعيد صدر الكلام إلى الذاكرة اتضحت العلاقة بما يليه وينتمي إليه، ومن شواهد هذا النمط قوله تعالى: { وَلَمّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمّا جَآءَهُمْ مّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } [البقرة: 89] ، فحين طال الفاصل بين (لَمّا جَآءَهُمْ) وجوابها، تكررت لتقوية الربط والارتباط، وكذلك قوله تعالى: { وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الّذِينَ مِن بَعْدِهِم مّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ وَلََكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } [البقرة: 253] ، فهنا تكررت عبارة (وَلَوْ شَآءَ) لسببين، هما [3] :

1-لتوقي توالي استدراكين بـ (لكن) ، لا يدري ماهية ارتباط ثانيهما بعناصر الجملة.

2-لإرادة التذكير بصدر الخطاب بعد أن بَعُدَت المسافة به عن سابقه.

(1) ينظر: اللسان، مادة (سلم) ، ( 12/298 ) .

(2) ينظر: البيان في روائع القرآن (1/132) .

(3) ينظر: نفسه (1/133) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت