... وفي حكاية الصوت للمعنى في الخطاب المدني تقديرٌ للتفخيم بما يدل على المبالغة في الحدث أو الصفة [1] ، وقد يؤدي ذلك إلى استعمال كلمةٍ تشتمل على التفخيم في مقام المبالغة، ومن أمثلة ذلك في الخطاب المدني قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطًا } [البقرة: 143] ، وقال تعالى: { فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } [المائدة: 89] ، فعبر الله تعالى بالتوسط في كلا الآيتين وأراد بذلك معنى الحسن، وكان انتقاؤه للفظ الوسط لما فيه من تفخيم الطاء، لأن (( الوسط اسمٌ للمكان الواقع بين أمكنةٍ تحيط به، أو للشيء الواقع بين أشياءٍ محيطةٍ به، ليس هو إلى بعضها أقرب منه إلى بعضٍ عرفًا، ولما كان الوصول إليه لا يقع إلا بعد اختراق ما يحيط به أخذ فيه معنى الصيانة والعزة طبعًا، كوسط الوادي لا تصل إليه الرعاة والدواب إلا بعد أكل ما في الجوانب فيبقى كثير العشب والكلأ، ووضعًا كوسط المملكة يجعل محل قاعدتها ووسط المدينة يجعل موضع قصبتها لأن المكان الوسط لا يصل إليه العدو بسهولةٍ، وكواسطة العقد لأنفس لؤلؤةٍ فيه، فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيار من لوازم معنى الوسط عرفًا، فأطلقوه على الخيار النفيس كنايةً ) ) [2] .
(1) ينظر: البيان في روائع القرآن ( 1/204 ) ، ودلالة الألفاظ (46) .
(2) التحرير والتنوير ( م2/ج2/17 ) ، وينظر معناه في روح المعاني ( م2/ج2/6 ) .