من ذلك نرى أن الفاصلة القرآنية في الخطاب المدني قيمةٌ صوتيةٌ، لها وظيفةٌ مهمةٌ يراعى فيها الجرس واللفظ، ومع ذلك يترخص فيها في جوانب معينةٍ كالنحو، فقد عرفنا أن الألف تنوب عن التنوين الذي بعد الفتحة عند الوقف [1] ، ولكن هذا التنوين لا يجتمع بأداة التعريف (ال) حتى في قوافي الشعر البتة [2] ، ولكنه اجتمع به في الفاصلة القرآنية، فهذه الظاهرة جاءت في آيات الخطاب المدنية، فمثلًا جاءت كلمة (السبيل) في سورة الأحزاب عند آخر قوله تعالى: { مّا جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنّ أُمّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللّهُ يَقُولُ الْحَقّ وَهُوَ يَهْدِي السّبِيلَ } [الأحزاب: 4] ، فهنا جاءت بصورة (السّبِيلَ) ، في حين جاء ت وبعدها الألف، في أواخر السورة، قال تعالى: { يَوْمَ تُقَلّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللّهَ وَأَطَعْنَا الرّسُولاَ، وَقَالُواْ رَبّنَآ إِنّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلّونَا السّبِيلاْ } [الأحزاب:66-67] ، فكلمة (السّبِيلاْ) مزيدةٌ بالألف في آخرها، وعلة ذلك أن الكلام في هذه الآيات عن هؤلاء، وهم يمدون أصواتهم بها في النار، على أنه ليس في أول السورة عذابٌ، فجاءت على حالها (السّبِيلَ) وليست (السّبِيلاْ) ، فهي في الآية الثانية تصور الحالة الطبيعية من اصطراخهم في العذاب [3] ،
(1) ينظر: المحيط في أصوات اللغة العربية، للأنطاكي (1/65) .
(2) ينظر: البيان في روائع القرآن ( 1/200 ) .
(3) ينظر: نفسه..