وطلبهم للنجاة بعد انقطاع السبل فليس لهم إلا رفع الصوت أملًا في الرحمة- بعد مسِّ العذاب أجسامهم- والذهول عن التدبير، وتوقف العقل عن التفكير، فجاءت الألف تعبيرًا عن حالهم وهم يصطرخون في النار، وأما (الرّسُولاَ) بالألف فهو بيانٌ لوصولهم إلى منتهى الحسرة والندم على فوت طاعة الرسول [1] .
وهنا مثالٌ آخرٌ على ذلك هو قوله تعالى: { وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَاْ } [الأحزاب: 10] ، فكلمة (الظّنُونَاْ) تدل على أنها كثيرةٌ ومتشعبةٌ، فاختلفت عندهم [2] ، ولذا جاءت بالإطلاق (الظّنُونَاْ) ؛ فكان استخدام الألف لإطلاق العنان للظنون، و على ذلك يمكن أن يكون الألف واللام (( بمعنى الاستغراق مبالغة يعني تظنون كل ظن لأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئًا ويمكن أن يكون المراد ظنونهم المعهودة، لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله...ومن الكافر الظن السوء ) ) [3] ، والفائدة في جمع الظنون هي أن الله تعالى لو قال: تظنون ظنًا، جاز أن يكونوا مصيبين فإذا قال: ظنونًا، تبين أن فيهم من كان ظنه كاذبًا، لأن الظنون قد تكذب كلها وقد يكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد. وقد يكون أحدهم مصيبًا إذ لا يمكن أن يكونوا كلهم مصيبين فقوله: (الظنونا) أفاد أن فيهم من أخطأ الظن ، ولو قال تظنون بالله ظنًا ما كان يفيد هذا [4] .
... وأغلب الظن أن الغرض الأسمى من الفاصلة القرآنية في الخطاب المدني هو غرضٌ جمالي صوتي وإن توافق مع وظيفتها النحوية، أو الدلالية أو اختلف [5] .
الحكاية الصوتية في الخطاب المدني:
(1) ينظر: تفسير الطبري (20/330) .
(2) ينظر: نفسه (20/221) ، وتفسير البغوي (6/331) .
(3) تفسير الرازي (م13/ج25/199) .
(4) ينظر: تفسير الرازي (م13/ج25/199) .
(5) ينظر: البيان في روائع القرآن ( 1/202 ) .