... مع ذلك، الفاصلة القرآنية توقيفيةٌ، إذ قد يتحقق تمام المعنى في اللفظ، وتتحقق فيه حروف الفاصلة ولكنه مع ذلك لا يعد من الفواصل [1] ، كما في قوله تعالى: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مّا تُحِبّونَ مِنكُم مّن يُرِيدُ الدّنْيَا وَمِنكُم مّن يُرِيدُ الآخِرَة ثُمّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 152] ، فإن قوله تعالى { مَآ أَرَاكُمْ مّا تُحِبّونَ } جاء على هيئة الفاصلة في هذه الآية والآيات السابقة لها والتالية لها، ولكنها لم تكن فاصلةً؛ لأن هذه المسألة توقيفيةٌ، ووقع ذلك أيضًا في قوله تعالى: { إِنّ اللّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السّمَآءِ، هُوَ الّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَه إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [آل عمران: 6] ، إذ لم يكن قوله تعالى: { كَيْفَ يَشَآءُ } ، حتى مع توافقه مع قوله تعالى: { وَلاَ فِي السّمَآءِ } ، فاصلةً قرآنيةً.
(1) ينظر: البيان في روائع القرآن (1/197) .