الصفحة 23 من 33

وأما ما عدا هذا من الأقوال كقول من قال: الصلوات الخمس ، وقول من قال: حب أبي بكر وعمر ، وقول من قال: هو أركان الإسلام الخمس التي بني عليها ، فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع لا تفسير مطابق له ، بل هي جزء من أجزائه وحقيقته الجامعة ما تقدم .

وقد ضرب ابن القيم ـ رحمه الله ـ مثالا آخر على هذه القاعدة عند تفسيره لقوله تعالى: ( ومن شر غاسق إذا وقب ) [1] ، فقال ـ بعد أن ذكر معنيين للغاسق إذا وقب ـ: ( عن أبي سلمة عن عائشة قالت أخذ النبي بيدي فنظر إلى القمر فقال:( يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب ) [2] ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ، وهذا أولى من كل تفسير فيتعين المصير إليه .

قيل: هذا التفسير حق ولا يناقض التفسير الأول ، بل يوافقه ويشهد بصحته ، فإن الله تعالى قال: ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ) الإسراء 12 ، فالقمر هو آية الليل وسلطانه فهو أيضا غاسق إذا وقب كما أن الليل غاسق إذا وقب ، والنبي أخبر عن القمر بأنه غاسق إذا وقب وهذا خبر صدق ، وهو أصدق الخبر ولم ينف عن الليل اسم الغاسق إذا وقب ، وتخصيص النبي له بالذكر لا ينفي شمول الاسم لغيره .

ونظير هذا: قوله في المسجد الذي أسس على التقوى وقد سئل عنه فقال: (هو مسجدي هذا ) [3] ، ومعلوم أن هذا لا ينفي كون مسجد قباء مؤسسا على التقوى مثل ذاك .

(1) 2 / 728 ــ 731 ، 752 ــ 754 ط . ع ، و: 2 / 216 ـ 218 ، 231 ـ 232 ط . م .

(2) أخرجه الترمذي رقم ( 3366 ) ، وأحمد: 6 /61 ، والحاكم: 2 /540 ، والحديث صححه الترمذي والحاكم ، وحسنه الحافظ فب الفتح: 8 / 613 .

(3) أخرجه مسلم رقم ( 1398 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت