وقد اختلف النحويون في مدلول (كاد) بين الإثبات والنفي، فذهب بعضهم إلى أنَّ إثباتها نفي لوقوع الحدث، ولا يكون المعنى إلا القرب والدنو، وأنّ نفيها إثبات، وذهب آخرون إلى أنَّ إثباتها إثبات ونفيها نفي، فيكون معنى كاد حينئذ مقاربة الفعل، فإذا قلت: (كاد يفعل) فإنك أثبَتَّ المقاربة ولم تثبت الفعل، وإذا قلت: (ما كاد يفعل) فإنَّك تنفي مقاربة الفعل، أي: لم يقارب الفعل ولم يقرب من فعله، فهم متفقون في معنى الإثبات مختلفون في معنى النفي، وفي هذه المسألة خلاف كبير بينهم يراجع في مظانه [1] .
ب) - (عسى)
عسى فعل غير متصرف، يدل على القرب والدنو [2] ،استعمل في كلام العرب على ضربين [3] :
أحدهما: أن يكون فعلا ناقصا بمنزلة كان وكاد وأخواتهما، وحينئذ يفتقر إلى منصوب، ومرفوع ويكون معناه (قارب) نحو قوله تعالى: {َفعَسَى اللّهُ أَن يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} [المائدة/52] .
والآخر: أن يكون فعلا تاما بمنزلة كان التامة، وحينئذ يكتفي بمرفوع ولا يحتاج إلى منصوب ويكون بمعنى قرب، ومنه قوله تعالى: {فعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة/212] .
فهو في الحالين يدل على المقاربة لكن على سبيل الترجي، مَثَلُهَا مَثٌلُ (كاد) في إفادة القرب.
والفرق بين (عسى) و (كاد) أنَّ (عسى) لمقاربة الأمر على سبيل الرجاء والطمع، تقول:"عسى الله أن يشفي مريضي"، تريد أنَّ قرب شفائه مرجو من عند الله تعالى مطموع فيه، و (كاد) لمقاربته على سبيل الحصول، تقول:"كادت الشمس تغرب"، تريد أنَّ قربها من الغروب قد حصل [4] .
والسبب في اقتران خبرها بـ (أنْ) هو أنَّ (عسى) موضوعة لمقاربة الاستقبال و (أنْ) تخلص الفعل للاستقبال، فألزموا الفعل الذي وضع لمقاربة الاستقبال (أنْ) التي هي علم على الاستقبال، ولذا كان الاختيار مع (كاد) حذف (أنْ) وهي كـ (عسى) في المقاربة؛ لأنَّ (كاد) أبلغ في تقريب الشيء من الحال، و (عسى) أذهب في الاستقبال؛ ألا ترى أنَّك لو قلت:"كاد زيد يذهب بعد عام"لم يجز؛ لأنَّ (كاد) توجب أن يكون الفعل شديد القرب من الحال، ولو قلت:"عسى الله أن يدخلني الجنة برحمته"لكان جائزًا - وإن لم يكن شديد القرب من الحال -، فلما كانت (كاد) أبلغ في تقريب الشيء من الحال حذف معها (أنْ) التي هي علم الاستقبال، ولما كانت (عسى) أذهب في الاستقبال أتي معها بـ (أنْ) التي هي علم الاستقبال [5] .
(1) ينظر: البرهان 4/ 136، ومغني اللبيب 2/ 762،وهمع الهوامع 1/ 147، وحاشية الصبان1/ 414.
(2) ينظر: الصاحبي في فقه اللغة237.
(3) ينظر: شرح المفصل 7/ 115، وشرح الجمل لابن عصفور2/ 179.
(4) ينظر: المفصل 271.
(5) ينظر: أسرار العربية 1/ 68 - 69، وشرح المفصل 7/ 121 - 122.