الصفحة 59 من 336

الفعل الماضي ودلالاته الزمنية

خص النحويون صيغة (فَعَلَ) للدلالة على الماضي من غير تحديده، بمعنى أنهم لم يفرقوا في هذه الصيغة بين ماض بعيد أو قريب. قال سيبويه:"فأما بناء ما مضى فذَهَبَ وسَمِع ومَكُث وحُمِدَ" [1] ، وقال ابن الحاجب:"الماضي: ما دلَّ على زمان قبل زمانك" [2] . وقال المبرد:"أما بناء (فعل) ، وما كان في معناه لما مضى قلت حروفه أو كثرت" [3] .

والملاحظ في تعريفات هؤلاء النحويين، وغيرهم ممن لم نذكرهم أنَّ الماضي عندهم زمن واحد، لا تفريق فيه بين قريب أو بعيد؛ وإنَّما هو حدث وقع في زمن قبل زمانك. ويؤكد ابن مالك هذا بقوله:"والماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي من دون تعرض لقرب الزمان وبعده" [4] .

غير أنَّ الكتب النحوية المتأخرة قليلًا، قد اهتمت بانصراف صيغة الماضي"فعل"عن الزمن الماضي إلى الحال وإلى الاستقبال، وأشارت إلى الصيغ التي يقرب فيها كل من الماضي والمستقبل من الحال. فالرضي في شرح الكافية ينبه إلى الالتباسات التي قد تعرض لصيغة"فعل"عندما تندرج في السياق:" (قبل زمانك) ، أي: قبل زمان تلفظك به، لا على وجه الحكاية. وقولنا:"لا على وجه الحكاية"، ليدخل فيه نحو:"خرجت"في قولك اليوم:"يقول زيد بعد غد: خرجت أمس"،"فخرجت": ماضٍ، وإن لم يدل هنا على زمان قبل زمان تلفظك به؛ لأنَّك حاكٍٍ" [5] .

وقال السيوطي:"للماضي أربع حالات أيضًا أحدها: أن يتعين معناه للمضي، وهو الغالب، الثاني: أن ينصرف إلى الحال، وذلك إذا قصد به الإنشاء، كبعت واشتريت وغيرهما من ألفاظ العقود. الثالث: أن ينصرف إلى الاستقبال وذلك إذا اقتضى طلبًا نحو: غفر الله لك، وعزمت عليك إلا فعلت أو لما فعلت. والرابع: أن يحتمل الاستقبال والمضيّ" [6] .

هذه اللفتة من بعض النحويين تستدعي من الدارسين الابتعاد عن ربط الصيغة بزمن معين كما سبقت الإشارة إلى ذلك في إحدى مقدمات هذا المبحث، بل ينبغي الكشف عن الزمن من السياق، وملاحظة القرائن الحالية والمقالية التي تؤدي مهمة كبيرة في تحديد الزمن.

(1) الكتاب: 1/ 12.

(2) شرح الكافية للرضي: 4/ 7.

(3) المقتضب: 2/ 2.

(4) شرح التسهيل:1/ 26.

(5) شرح الكافية للرضي: 4/ 7.

(6) همع الهوامع: 1/ 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت