الصفحة 58 من 336

المقدمة الثانية / علاقة الفعل بالزمن

علاقة الفعل بالزمن علاقة عضويَّة؛ فما من فعل إلاَّ ولحدوثه وقتٌ؛ والوقت قسط من الزمن، فالزمن إذًا ظلُّ الألفاظ المركبة التي لابد لها من ظل زماني، ومنها الفعل الذي يلازمه الزمن ملازمة لصيقة، فلا فعل من غير زمن يقع فيه، ومن هنا قرن النحويون في تعريفهم للفعل بين الصيغة والزمن؛ لأنَّهم وجدوا أنَّ الزمن جزء من الفعل ولا ينفك عنه مطلقا، بخلافِ الاسم والحرف. قال ابن يعيش:"لما كانت الأفعال مساوقة للزمان والزمان من مقومات الأفعال توجد عند وجوده وتنعدم عند عدمه انقسمت بأقسام الزمان فمنها حركة مضت، ومنها حركة لم تأت بعد، ومنها حركة تفصل بين الماضية والآتية؛ كانت الأفعال كذلك ماض ومستقبل وحاضر" [1] .

وقد ذكرنا - آنفا - أنّ الزمن إحدى دلالتي الفعل، بل هو جزء منه، إلا أنَّ دلالة الفعل على زمن ما تتوقف على موقعه وعلى قرينته في السياق، والاستقراء اللغوي يدل على أنَّ العرب لم تكتف بالصيغ التي أوردها النحويون للدلالة على الأزمنة المختلفة، بل استعملت الصيغ بطريقة جعلتها تدل بدقة على الزمن الذي يريد"فلا مفر إذًا من النظر إلى الزمن في السياق نظرة تختلف عما يكون للزمن في الصيغة؛ لأنَّ معنى الزمن النحوي يختلف عن معنى الزمن الصرفي من حيث إنَّ الزمن الصرفي وظيفة الصيغة، وإنَّ الزمن النحوي وظيفة الصيغة تحددها الضمائم والقرائن" [2] .

المقدمة الثالثة: القرب في الأفعال هو قرب الزمن

القرب في الأفعال هو قرب الزمن من الحال، سواء من جهة الماضي أم من جهة المستقبل، وذلك بحسب ما تحدده الصيغ والمراتب الزمنية المتمثلة بالسوابق واللواحق التي تضام إلى الفعل، ويتحدد القرب والبعد الزمني بحسب بعده من (الآن) ، فإذا قدرنا فيما بين أجزاء الماضي كان الجزء المتقدم منه هو الأبعد والمتأخر هو الأقرب (أي من الحال) ، ومثله المستقبل؛ فالمتقدم من أجزائه هو ما يطلق عليه المستقبل القريب، والمتأخر منه هو المستقبل البعيد.

(1) شرح المفصل: 7/ 4.

(2) اللغة العربية معناها ومبناها: 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت