لذا فإنَّ هذا المبحث يُعَدُّ محاولةً لفهم العلاقة بين الفعل والزمن من خلال التركيز على الصيغ اللغوية ودلالتها على الزمن، ولاسيما في قربه وبعده.
ولعل من المفيد - قبل الدخول في مسائل القرب الزمني في الأفعال - أن أشير إلى مقدمات مهمة متعلقة بهذا الموضوع وممهدة لمسائله وقضاياه.
المقدمة الأولى: مكانة الفعل والزمن:
اهتم النحويون القدامى بمسألة الفعل في مباحثهم النحوية؛ لكونه طرفًا رئيسا في قضية الإسناد التي تعد من أهم القضايا اللغوية، كما أنَّه يعدُّ أقوى العوامل؛ فهو يرفع فاعلا وينصب مفعولًا كما ينصب سائر ما أسموه بالـ (الفضلات) كالمفاعيل والحال ونحو ذلك، وأنَّه يعمل أينما كان متقدمًا أو متأخرًا، ظاهرًا أو مقدرًا [1] .
فضلًا عن أنَّ الفعل يكثر استعماله في الكلام، وهو أحد العناصر الثلاثة التي يستهلُّ بها غالب كتب النَّحو وتتشعَّب منها بقية أبواب القواعد. فالاهتمام بالفعل يشغل مكانا مهما، ليس في اللغة العربية فحسب، بل في سائر اللغات.
أما الزمن؛ فقد كثر فيه الكلام قديمًا، وصار الكلام فيه أكثر حديثا، ونُظِر إليه في ميادين مختلفة فهو من الناحية الدينية أصل تتوقف عليه أحكام وعبادات، وهو من الناحية الاجتماعية تتوقف عليه عقود ومواصفات وتقارير وأمثالها من الوثائق ذات الأثر في العلاقات البشرية. وللفلاسفة والمتكلمين وقفات طويلة عن الزمن في حقيقته وصفاته وجوهره وأعراضه [2] .
أما أهل اللغة فرأوا أنَّ للزمن حضورًا وتداخلًا مع نظم الكلام وتركيبه على مختلف الصور والتراكيب؛ فوصفوا ألفاظه واستقصوها، ونظروا إلى الزمن داخل السياق وخارجه، واختلفوا في جهاته ومقاديره [3] .
(1) ينظر: الفعل زمانه وأبنيته 24.
(2) ينظر: الأزمنة في العربية5.
(3) ينظر: نظرة عقلية لغوية للزمان2.