الصفحة 56 من 336

عرَّف النحويون الفعل بأنَّه"ما دلَّ على حدث وزمن" [1] . فالحدث والزمن يشكلان الفعل عبر اقترانهما؛ لكن الملاحظ أنَّ النحويين في أثناء حديثهم عن دلالة الفعل على الزمن انطلقوا من زاوية محددة هي الزاوية الصرفية، فقال أكثر النحويين: إنَّ للفعل ثلاث صيغ هي: (فعل، ويفعل، وافعل) أي: الفعل الماضي، والفعل المضارع، والفعل الأمر. في حين رفض الكوفيون صيغة الأمر (افعل) ، وجعلوا مكانها صيغة"الفعل الدائم""فاعل" [2] .

ويبدو أنَّ النحويين لم يكن غرضهم الوقوفَ على مفهوم الزّمانِ مباشرةً، وإنَّما أرادوا أن يتوصّلوا إلى تعريفٍ للفعل يميّزُهُ من الاسم؛ لأنَّ الاسم يدل على حدث فقط، فاقتصروا في تقسيم الفعل على الماضي والحال والاستقبال فحسب، يقول سيبويه"وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع" [3] .

ولا نقولُ إنّ علماء العربية لم يَفْطُنُوا إلى حقيقة الزمان من حيث علاقة الفعل به، إذ لا يجوز أن يكون قد التبس عليهم الفرق بين معاني الفعل الخالي من القيود الزمنية، وبين الفعل المقيَّد بها فهم بلا شك قد أدركوا الفروق بينهما، إلاّ أنَّهم لم يدخلوا في تفاصيلها ولم يجعلوا لكلٍّ من الصِّيَغِ الزمنية بابًا خاصًا بها [4] .

فليست صيغة (فَعَلََ) وحدها للدلالة على الزمن الماضي، بل قد لا تدل عليه، وتنصرف إلى الدلالة على الحال والاستقبال.

وليست الصيغة"يَفْعَلُ"وحدها للدلالة على الزمان الحاضر والمستقبل، بل قد لا تدل عليهما وتنصرف إلى الدلالة على الماضي، وتؤدي القيود والضمائم من الأدوات الحرفية والفعلية مهمة كبيرة في تقريب زمن الماضي أو المستقبل إلى زمن الحال أو تنفيس الوقت وإبعاده منه.

(1) ينظر: نتائج الفِكَر66، وشرح المفصل 7/ 2، وشرح الجمل لابن عصفور 1/ 95، وشرح الكافية للرضي 1/ 37.

(2) ينظر: معاني القرآن للفراء 1/ 109و143، والإيضاح في علل النحو53، ودراسة في النحو الكوفي 254، والفعل زمانه وأبنيته 19و23.

(3) الكتاب 1/ 12.

(4) ينظر: الأزمنة في العربية 2، والفعل والزمن 19، واتجاهات التحليل الزمني 71 - 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت