وهو ظرف يعبرون به عن المستقبل القريب، قال السهيلي:"وكذلك"غد"جعل له اسم يترجم به عن جميعه، وهو مشتق من أقرب ساعة منه إلى يومك" [1] ، ومنه قوله تعالى: {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر/18] "عبر عن يوم القيامة بالغد، وهو اليوم الذي يلي يومك على سبيل التقريب، فلم يزل يقربه حتى جعله كالغد، فكأنَّ الدنيا والآخرة نهاران، يوم وغد" [2] .
وقال تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ} [القمر/26] المراد بالغد وقت نزول العذاب الدنيوي بهم، وقيل: يوم القيامة فهو لمطلق الزمان المستقبل وعبر به لتقريبه، أي: سَيَعْلَمُونَ عن قريب [3] .
تقارب الأزمنة ينزلها منزلة المتحدة
هذه قاعدةٌ أول من أشار إليها ابن جني في (الخصائص) [4] ، ثم تبعه ابن هشام في (المغني) [5] . وقد ذكر ابن جني أنَّ هذه المسألة اطردت في كلام العرب وكثرت على ألسنتهم؛ وفي استعمالهم حتى اتسعوا فيها إلى ما تناءت حالاه، وتفاوت زماناه [6] .
وملخص هذه المسألة أنَّ من شرط الفعل إذا نصب ظرفا أن يكون واقعًا فيه، أو في بعضه كقولك: صمت يوما، وسرت فرسخا، وزرتك يوم الجمعة، وجلست عندك، فكل واحد من هذه الأفعال واقع في الظرف الذي نصبه لا محالة، وأحيانًا ينصب الفعل الظرف ولا يكون واقعًا فيه، وإنَّما يقع فيما يلي الظرف، ولكن بسبب المجاورة الزمانية صارا كأنَّهما وقعا في وقت واحد [7] .
قال ابن جني:"ومن ذلك قولهم: أحسنت إليه إذ أطاعني، وأنت لم تحسن إليه في أول وقت الطاعة، وإنما أحسنت إليه في ثاني ذلك، ألا ترى أنَّ الإحسان مُسَبَّبٌ عن الطاعة، وهي كالعلة له ولا بد من تقدم وقت السبب على وقت المُسَّبَب، كما لا بد من ذلك مع العلة، لكنه لما تقارب الزمانان،"
(1) نتائج الفِكَر: 113.
(2) البحر المحيط: 10/ 148.
(3) ينظر: التفسير الكبير 15/ 52، وروح المعاني 15/ 135.
(4) ينظر: 3/ 222 - 228.
(5) ينظر: 2/ 572.
(6) ينظر: الخصائص 3/ 223.
(7) ينظر: نفسه 3/ 222.