والمتأمل فيما ورد عن العرب وما جاء في الذكر الحكيم في هذه المسألة يجد أنَّ الإشارة إلى القريب إشارة البعيد، والعكس أسلوب عربي معروف، وأنَّ له أغراضًا ودلالات منها:
1 -بيان رفعة المشير والمشار إليه معًا، نحو قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة/2] ، وقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف/72] [1] .
2 -بيان رفعة المشير [2] ، ومنه قوله تعالي: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه/17] .
3 -بيان رفعة المشار إليه، ومنه قوله تعالى: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف/32] . لم تقل (فهذا) ؛ لأنَّ مرأى يوسف - عليه السلام - عند امرأة العزيز كان أعظم من مرآه عند النسوة، فأشارت إليه بما يشار به إلى البعيد، رفعًا لمنزلته في الحسن واستبعادًا لمحله فيه [3] .
4 -حكاية الحال [4] نحو قوله تعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ} [الإسراء /20] ، وقوله تعالى: {هذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص/15] .
قال ابن هشام:"يعبرون عن الماضي والآتي، كما يعبرون عن الشيء الحاضر، قصْدًا لإحضاره في الذهن حتى كأنه مُشاهد حالة الإخبار، نحو: {هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص/15] إذ ليس المراد تقريب الرجلين من النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما تقول: هذا كتابك فخذه، وإنَّما الإشارة كانت إليهما في ذلك الوقت هكذا فحكيت" [5] .
وذكر بعض النحويين أنَّ أسماء الإشارة قد تتعاقب في المعنى [6] ، ويقصدون بالتعاقب هنا: استعمال الإشارة إلى البعيد مكان الإشارة إلى القريب والقريب مكان البعيد، فـ (ذلك) يشار بها إلى القريب بمعنى (هذا) ، و (هذا) يشار بها إلى البعيد بمعنى (ذلك) [7] ، ويستشهدون لذلك بقوله تعالى:
(1) ينظر: جامع البيان 1/ 112، وروح المعاني 1/ 175.
(2) ينظر: شرح التسهيل1/ 248، والمساعد 1/ 190، وهمع الهوامع 1/ 267.
(3) ينظر: شرح التسهيل1/ 248،والمساعد1/ 191، والإيضاح في علوم البلاغة 44، وهمع الهوامع 1/ 267، وروح المعاني7/ 350.
(4) ينظر: شرح التسهيل 1/ 249، والمساعد 1/ 191،وهمع الهوامع 1/ 267.
(5) مغني اللبيب: 2/ 797.
(6) ينظر: شرح التسهيل 1/ 249، والمساعد 1/ 191، وهمع الهوامع 1/ 267.
(7) ينظر: همع الهوامع 1/ 267.