الإشارة في النص القرآني إما أن تكون إشارة حسية وإما أن تكون إشارة ذهنية، فإذا توجهت الإشارة إلى محسوس فالغالب أن يراد بها المسافة المكانية قريبة كانت أو بعيدة، فمثال الإشارة إلى المكان القريب قوله تعالى: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه/63] ، وقوله تعالى: {قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ} [الحجر/68] ،وقوله تعالى: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء/63] .
ومثال الإشارة إلى المكان البعيد قوله تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل/52] ،وقوله تعالى: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ} [القصص/58] .
أما إن كانت الإشارة إلى شيء ذهني - وهي الأكثر توافرًا في النص القرآني - فإنَّها تحمل دلالات متعددة ليس منها حقيقة المسافة-السالفة الذكر- وفيما يلي إيضاح لتلك الدلالات:-
أولا / دلالات الإشارة إلى القريب:
1 -بيان حال المشار إليه من حيث القرب بمعانيه المتعددة التي ذكرت آنفا، ومثاله قوله تعالى: {إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان/30] ، وقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف/108] ، وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} [يس/48] .
وهذا المعنى مشترك بين الإشارة الحسية والإشارة الذهنية المذكورة آنفا.
2 -التحقير [1] : نحو قوله تعالى: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء/36] ، وقوله تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ} [العنكبوت/64] .
ومنه قوله تعالى- حاكيا قول فرعون لموسى عليه السلام: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف/52] ،وقوله تعالى: {مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [المؤمنون/24] .
ثانيا/ دلالات الإشارة إلى لبعيد:
إذا كانت الإشارة العقلية لما يشار به إلى البعيد فإنها تتضمن المعاني الآتية:-
(1) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة 44، والإتقان 1/ 516.