بعد تأملي فيما استدل به البصريون والكوفيون على الأحق في الإعمال، وتتبعي لآيات القرآن الكريم وقراءتي المتأنية لهذا المبحث في كتب النحويين والمفسرين، وجدت أنَّ إعمال أقرب العاملين إلى المعمول هو الأقرب إلى الصواب، وحجتي في ذلك ما يأتي: -
1 -إعمال الأقرب هو مذهب جمهور النحويين، وهو الراجح لدى كثير من المفسرين والمحققين وممن رجح هذا المذهب واختاره: سيبويه [1] ،والمبرد [2] ، والزجاجي [3] ، وابن جني [4] ، وأبو البركات الأنباري [5] ،والزمخشري [6] ،وأبو البقاء العكبري [7] ، وابن يعيش [8] ، وابن مالك [9] ،وأبو حيان [10] ، وابن هشام [11] ، ورضي الدين الاستراباذي [12] وخالد الأزهري [13] ، والسيوطي [14] ، وغيرهم كثير.
2 -أكثر الشواهد المروية عن العرب التي ورد فيها عاملان يطلب كل منهما معمولا واحدا أعمل فيها العامل الثاني، وهو العامل الأقرب إلى المعمول.
أما ما استشهد به الكوفيون فبعضها أدلة جواز إعمال الثاني، لا على الرجحان، وبعضها لا دلالة فيها على إعمال الأول. أما استشهادهم بقول امرئ القيس:
فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيْشَةٍ ... كَفَانِيْ و لَمْ أَطْلُبْ قَلِيْلٌ مِنَ المَال
فقد ذكر جمع من النحويين والمحققين [15] أنه لا يوجد في البيت دليل على التنازع؛ لأنَّ شرط هذا الباب أن يكون كل واحد من الفعلين موجها إلى ما وجده به الآخر، ثم إنَّ الشاعر في البيت أعمل الأول منهما مراعاةً للمعنى؛ لأنَّه لو أعمل الثاني لكان الكلام متناقضًا، وذلك من وجهين: أحدهما: أنَّه لو أعمل الثاني لكان التقدير فيه: كفاني قليلٌ ولم أطلب قليلًا من المال، وهذا متناقض؛
(1) ينظر: الكتاب 1/ 79.
(2) ينظر: المقتضب 2/ 112 - 115.
(3) ينظر: شرح الجمل لابن عصفور 1/ 615 - 630.
(4) ينظر: الخصائص 2/ 209، و2/ 344.
(5) ينظر: الإنصاف 1/ 83 - 96.
(6) ينظر: المفصل 19 - 21.
(7) ينظر: اللباب 1/ 154 - 155, والتبيان1/ 248،و2/ 455.
(8) ينظر: شرح المفصل 1/ 77 - 80.
(9) ينظر: شرح الكافية الشافية 1/ 287 - 288، وشرح التسهيل 2/ 167.
(10) ينظر: تذكرة النحاة 346 - 349، والبحر المحيط 3/ 451.
(11) ينظر: أوضح المسالك 2/ 198، وشرح شذور الذهب427.
(12) ينظر: شرح الكافية للرضي 1/ 184.
(13) ينظر: شرح التصريح 1/ 315 - 321.
(14) ينظر: همع الهوامع 5/ 146 - 147.
(15) ينظر: الإنصاف 1/ 93، وشرح الجمل لابن عصفور1/ 632، وشرح المفصل 1/ 79، وتذكرة النحاة 349، ومغني اللبيب 2/ 584.