لأنه يخبرنا تارةً بأن سعيه ليس لأدنى معيشة، وتارةً يخبرنا بأنه يطلب القليل، وذلك متناقض، والآخر أنه قال في البيت الذي بعده [1] :
وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وَقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالِيْ
3 -أنَّ العامل الثاني هو الأقرب إلى محل التأثير، وهو أقرب الطالبين إلى المطلوب، فالأولى أن يستبد به دون الأبعد، ولا يكون الأبعد أقوى حالًا من الأقرب.
4 -بعد تتبعي في القرآن الكريم تبين لي أنَّ باب التنازع باب أصيل، وأنَّ مذهب البصريين أسهل وموافق تمامًا للقرآن الكريم، حيث إنَّ الأمثلة الواردة فيه تؤيد المذهب البصري في إعمال العامل الثاني في المعمول المتنازع فيه، وأما مذهب الكوفيين فلا يتوافق مع القرآن الكريم البتة، وإنْ كان قد يوافق بعض الشواهد الشعرية، ولكنها- لقلتها- لا تصل إلى درجة القياس، وأكثرها واردة لبيان جواز إعمال الأول وليس للأولية على إعماله، والجواز لا خلاف فيه بين الفريقين.
ولقد وجدت الشيخ المحقق محمد محي الدين عبد الحميد يؤكد على الذي ذكرناه آنفا - في حاشيته على (أوضح المسالك) - بقوله:"لقد تأملنا فيما حملوه من التنازع من آيات القرآن الكريم فوجدناها جارية على إعمال الأقرب إلى المعمول، كذلك ما ذكروه من الحديث النبوي، ولا شك أنَّ إتباع أسلوب القرآن الكريم الذي هو أفصح كلام وأرقى أسلوب أولى وأحرى" [2] .
وسوف نورد طائفة من الآيات التي أعمل فيها الأقرب في مبحث مستقل يجيء قريبًا.
5 -وجدت أنَّ العرب تراعي جانب القرب وتهتم به كثيرًا، وقد وردت في كتب النحويين نصوص كثيرة تدل على مراعاتهم للقرب والجوار، ومن تلك النصوص ما يأتي:
قال العكبري:"وأما القياس فهو أنَّ الثاني أقرب إلى الاسم وإعماله فيه لا يغير معنى، فكان أولى كقولهم:"خشنت بصدرهِ وصدرِ زيد"بجر المعطوف، وكذا قولهم:"مررت ومر بي زيد"أكثر من قولهم:"مر بي ومررت بزيد".... وكذلك أيضا إذا جاوز الفعل الفاعل المؤنث الحقيقي لزمت فيه التاء، وإن فصل بينهما لم يلزم كل ذلك اهتمام بالأقرب" [3] .
وقال أبو حيان:"وأيضا فقد حملهم مراعاة القرب على أن فصلوا بين العامل الزائد على العامل الذي ليس بزائد في قولهم: خشنت بصدرهِ وصدرِ زيد، فجروا"صدرا"ونصبوه لكن الجر فيه أكثر بنص سيبويه - رحمه الله -، فراعوا صدره المجرور بالباء الزائدة، وجروا لقرب الباء من المعطوف، وبُعد الفعل، فإذا راعوا الأقرب الزائد فأن يراعوا الأقرب فيما ليس بزائد أولى" [4] .
وقال ابن مالك:"ومما يدل على رجحان الثاني أنه موافق لما تؤثره العرب من التعليق بالقرب والحمل عليه، وإن لزم في ذلك تفصيل زائد على غير زائد نحو: خشنت بصدره وصدر زيد، ففضلوا جر المعطوف حملا على الباء لقربها" [5] .
6 -أنَّ إعمال الأول يؤدي إلى كثرة الإضمار وتأخير المتعلقات بالأول بعد الثاني.
قال ابن مالك:"ومما يدل على رجحان إعمال الثاني أنه مخلص من ثلاثة أشياء منفرة يستلزمها إعمال الأول أحدها: كثرة الضمير .. [6] .."
7 -إعمال الأقرب هو الأكثر في لغة العرب بدليل قول سيبويه:"ولو لم تحمل الكلام على الآخر لقلت: ضربت وضربوني قومك، وإنما كلامهم: ضربت وضربني قومك". [7]
ويتخذ ابن مالك كثرة إعمال الثاني وقلة إعمال الأول دليلًا قويا على رجحان مذهب البصريين في اختيارهم إعمال الأقرب:"وما ذهب إليه البصريون هو الصحيح؛ لأنَّ إعمال الثاني أكثر في الكلام من إعمال الأول، وموافقة الأكثر أولى من موافقة الأقل" [8] .
ويقول معلقا على قول سيبويه السابق:"فدل نقل سيبويه مجردا عن الرأي على أنَّ إعمال الثاني هو الكثير في كلام العرب، وأن إعمال الأول قليل، ومع قلته لا يكاد يوجد في غير الشعر، بخلاف إعمال الثاني فإنه كثير الاستعمال في النثر والنظم. وقد تضمنه القرآن المجيد في مواضع كثيرة" [9] .
ونص أبو حيان على أنَّ إعمال الثاني هو الأفصح والأكثر في لسان العرب، وقد تضمنه القرآن في مواضع كثيرة، لذا ينبغي إتباعه والحمل عليه؛ لأنَّ الحمل على ما كثر في كلام العرب أولى من الحمل على ما قلّ [10] .
8 -ومما يدل على أنَّ الأقرب أولى في الإعمال أنَّ بعض النحويين أوجب إعماله عند تنازع ثلاثة عوامل معمولًا واحدا [11] ، قال ابن مالك:"ومما يدل ترجيح إعمال الأقرب إذا كان ثانيا التزام إعماله إذا كان ثالثا أو فوق ذلك بالاستقراء، ولا يوجد إعمال غيره، ومن أجازه فمستنده الرأي .. وفي لزوم إعمال الأقرب إذا كان ثالثا دلالة بينة على رجحان إعماله إذا كان ثانيا" [12] .
(1) في ديوانه 68.
(2) عدة السالك إلى أوضح المسالك2/ 198، حاشية رقم1.
(3) اللباب1/ 154، 155.
(4) تذكرة النحاة 348.
(5) شرح التسهيل: 2/ 169.
(6) شرح التسهيل: 2/ 168.
(7) الكتاب: 1/ 76.
(8) شرح التسهيل:2/ 167.
(9) نفسه.
(10) ينظر: تذكرة النحاة 348، وارتشاف الضرب 4/ 2145، والبحر المحيط 3/ 415، و4/ 339.
(11) ينظر: شرح التسهيل 176، وشرح التصريح 1/ 477.
(12) ينظر: شرح التسهيل 176 - 177.