وزعم ابن حزم أنَّ الإشارة عند أهل اللغة تعود إلى الأبعد؛ إذ قال:"والإشارة بخلاف الضمير، وهي عائدة إلى أبعد مذكور، وهذا حكمها في اللغة إذا كانت الإشارة بذلك، أو تلك، أو هو، أو أولئك، أو هم، أو هي، أو هما، فإن كانت بهذا أو هذه، فهي راجعة إلى حاضر قريب ضرورة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل اللغة، ولا يعرف نحوي أصلا غير ما ذكرنا" [1] .
وما أورده ابن حزم بحاجة إلى نظر، وتعميمه فيه شيء من المبالغة، ثم إنَّ القول في هذه المسألة هو قول النحويين، وقد صرح قسم منهم كأبي حيان في نصه السابق أنَّ الإشارة تجري مجري الضمير، فقد تعود إلى الأقرب وقد تعود إلى الأبعد، والمرجِّح في التعيين هو قرينة السياق؛ إذ الإشارة إلى أقرب مذكور، ومن ذلك الآيات الآتية:
1 -قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة/196] فالإشارة بقوله:"ذلك"فيها قولان [2] ،الأول: أنَّها راجعة إلى التمتع، فتدل على أنَّه لا متعة لحاضري المسجد الحرام، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وعليه فمن تمتع منهم كان عليه دم، والثاني: إنها راجعة إلى الحكم، وهو وجوب الهدي والصيام، فلا يجب ذلك على من كان من حاضري المسجد الحرام، وهو قول الشافعي. وهو الأظهر - من وجهة نظري -؛لدلالة القرب، ودلالة السياق، وممن رجح رجوعه إلى الأقرب في هذه الآية أبو إسحاق الزجاج [3] ..
2 -قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا} [البقرة/282] ، فالإشارة بقوله:"ذلكم"تحتمل كونها من الأقرب وهو"الكتابة"، أو من الأبعد وهو"الاستشهاد"، أو منهما معًا، والأول أقرب؛ لأنَّه الأقرب، قال الطبري:"أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة" [4] .، وتبعه على هذا القول أكثر المفسِّرين [5] ..
(1) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام 4/ 446.
(2) ينظر: الكشاف 1/ 269، وأحكام القرآن للجصاص 1/ 358، والمحرر الوجيز 1/ 270، وزاد المسير1/ 190، وأحكام القرآن لابن العربي 1/ 145، والتبيان1/ 131، والجامع لأحكام القرآن 2/ 400، والبحر المحيط 2/ 270، وفتح القدير 1/ 268.
(3) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 1/ 269.
(4) جامع البيان 3/ 55.
(5) ينظر: الكشاف 1/ 247، والبحر المحيط 2/ 737، وإرشاد العقل السليم 1/ 336، وتفسير القرآن العظيم 1/ 379، وفتح القدير 1/ 379.