3 -قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور/4 - 5] .تعددت فيها أقوال المفسِّرين والمعربين فيما يرجع إليه الاستثناء الوارد فيها ومبعث الخلاف عدم ورود القرينة الدالة على تحديد جملة بعينها، ولا خلاف بين المفسِّرين والمعربين أنَّ الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة [1] ، وهو مذهب أبي حنيفة [2] ، واختار هذا المذهب أبو حيان إذ قال -بعد أن عرض الخلاف في هذه المسألة:"والذي يقتضيه النظر أن الاستثناء إذا تعقب جملة يصلح أن يتخصص كل واحد منها بالاستثناء أن يجعل تخصيصًا في الجملة الأخيرة ... وليس يقتضي ظاهر الآية عود الاستثناء إلى الجمل الثلاث، بل الظاهر هو ما يعضده كلام العرب وهو الرجوع إلى الجملة التي تليها" [3] .
ولم يقل بعود الاستثناء إلى جميع الجمل بما فيها الجلد سوى الطبري [4] ،وهذا ينقض ما ادعاه ابن عطية من أنَّ الاستثناء لا يرجع إلى الجملة الأولى- {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} -إجماعًا [5] .
أما كون الاستثناء يرجع إلى الجملة الثانية وهي قوله: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} فمسألة خلافية عند المفسِّرين والفقهاء [6] ، ورجح الشافعي عوده إليها [7] ،ومنع ذلك أبو حنيفة، ومن رجح رجوعه إلى الثاني أبو جعفر النحاس، وأبو إسحاق الزجاج [8] .
والذي يظهر لي أنَّ الاستثناء في هذه الآية راجع إلى الجملة الأخيرة دون الأولى؛ لأنه أقرب مذكور، ولأنه متى حكم بالجلد على القاذف لم يسقط عنه الحد من أجل توبته، فهي بينه وبين ربه.
قصد الأقرب عند تعدد مرجع الإشارة
اسم الإشارة عند النحويين يجري مجرى الضمير في عوده إلى أقرب مذكور إذا تعدد مرجعه وهو"المشار إليه". قال أبو حيان:"واسم الإشارة يجري مجرى الضمير، فيشار به إلى أقرب مذكور، كما يعود الضمير على أقرب مذكور" [9] .
(1) ينظر: معاني القرآن وإعرابه4/ 31، والكشاف 3/ 218، والتبيان2/ 244.
(2) ينظر: الكشاف3/ 218، والتفسير الكبير12/ 163،والبحر المحيط 6/ 433.
(3) البحر المحيط 8/ 15.
(4) ينظر: جامع البيان 18/ 99.
(5) ينظر: المحرر الوجيز 10/ 435.
(6) ينظر: الكشاف 3/ 218، والمحرر الوجيز 10/ 435، والتبيان2/ 244، والتفسير الكبير12/ 163، والبحر المحيط 8/ 158، والجامع لأحكام القرآن 12/ 160.
(7) ينظر: الكشاف3/ 218، والتفسير الكبير23/ 141،والبحر المحيط8/ 15،والجامع لأحكام القرآن12/ 160، وتفسير القرآن العظيم3/ 270، والإبهاج في شرح المنهاج2/ 153،وشرح الكوكب المنير3/ 313.
(8) ينظر: المحرر الوجيز 1/ 272.
(9) البحر المحيط 4/ 71.