الصفحة 102 من 336

جلّ ثناؤه: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور/4] فالاستثناء هاهنا عَلَى مَا كَانَ من حق الله جلّ ثناؤه دون الجلد [1] .

والذي يظهر أنَّ الخلاف الدائر في هذه المسألة - سواء عند الأصوليين أم النحويين- مرده إلى مذهبين هما: العود إلى الجملة الأخيرة، أو العود إلى جميع الجمل المتقدمة. وسبب الخلاف - كما ذكر القرطبي - يعود إلى أمرين [2] : أحدهما: هل هذه الجمل في حكم الجملة الواحدة للعطف الذي فيها، أو لكل جملة حكم نفسها في الاستقلال وحرف العطف محسن لا مشرك، وهو الصحيح في عطف الجمل، لجواز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض، على ما يعرف من النحو. الثاني: يشبه الاستثناء بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدمة، فإنَّه يعود إلى جميعها عند الأكثرين.

ويرى الباحث أنَّ هذه المسألة تشبه إلى حد كبير مسألة عودة الضمير، إذ لا يمكن التسليم بأن الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور مطلقا كما هو مذهب جماعة من النحويين والأصوليين، أو القطع بأنَّه يعود إلى جميع ما سبق كما هو مذهب آخرين. والرأي الذي يرتضيه الباحث أنَّ الأمر في تعيين عود الاستثناء يرجع إلى القرينة والدليل، إذ قد يدل الدليل أنَّ الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور أو أبعد مذكور أو لجميع ما ذكر في كلام سابق، والأكثر في القرآن الكريم أن يعود الاستثناء إلى أقرب مذكور، ومن ذلك الآيات القرآنية الآتية:

1 -قوله تعالى: {قلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} [الأنعام/151] ذهب أكثر المفسِّرين والمعربين [3] .إلى أنَّ الاستثناء في قوله:[إِلا بِالْحَقِّ يعود إلى الجملة الأخيرة، وهي قوله: [وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ.

2 -قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا} [النساء/92] ، فالاستثناء في قوله تعالى: راجع إلى أَقرب مذكور وهو الدِّية لا الكفَّارة؛ لأنَّ التَّصدُّق لا يؤثِّر في الإعتاق [4] .

(1) ينظر: الصاحبي في فقه اللغة 141.

(2) الجامع لأحكام القرآن 12/ 160.

(3) ينظر: جامع البيان8/ 100، والكشاف2/ 62،والمحرر الوجيز5/ 395، والتفسير الكبير7/ 245، والجامع لأحكام القرآن 7/ 119، وإرشاد العقل السليم 3/ 199.

(4) ينظر: جامع البيان 2/ 242، وإعراب القرآن للنحاس 1/ 232، وأحكام القرآن للجصاص 3/ 198، والكشاف 1/ 553، وأحكام القرآن لابن العربي 1/ 602، والتبيان1/ 291.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت