الصفحة 101 من 336

تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور/4 - 5] ،وهنا يبرز عامل القرب ليكون - في الأغلب- الحَكَمَ الفَصْلَ في هذا الخلاف.

وتعد هذه المسألة من المسائل الخلافية في أصول الفقه، فقد ذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما إلى أنَّ الاستثناء يرجع إلى جميعها، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنَّ الاستثناء خاص بالجملة الأخيرة، أي: يعود إلى الأقرب، ووافقهم في ذلك أهل الظاهر، وللمسألة مذاهب وأقوال أخرى، ولكل مذهب منها حجج وبراهين تراجع في كتب أصول الفقه [1] .

أما النحويون فقلَّ من تكلم منهم على هذه المسألة. قال أبو حيان:"هذه المسألة تُكُلِّمَ عليها في أصول الفقه وفيها خلاف وتفصيل، ولم أر من تكلم عليها من النحاة غير المهاباذي، وابن مالك" [2] .

وما ادعاه أبو حيان صحيح إلا أنَّه يستثنى من ذلك المفسِّرون والمعربون الذين عرضوا لهذه المسألة عند تفسيرهم الآيات التي يستدل بها هنا، وللنحويين في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:

الأول: الاستثناء من الجملة الأخيرة، وهو مذهب المهاباذي كما نسبه إليه أبو حيان، ووافقه على هذا المذهب [3] .

وذكر الرضي أنَّ الرأي الذي يقتضيه مذهب محققي البصرة، هو أنَّ الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة، ويكون ذلك من باب تنازع العاملين فصاعدا لمعمول واحد، ولو كان العامل جميعُها لزم حصول أثر واحد من مؤثرين مستقلين أو أكثر، وهذا مما لا يجيزونه [4] .

الثاني: أنَّ الاستثناء يعود إلى الجمل كلها، وإليه ذهب ابن مالك [5] ، والسيوطي [6] .

الثالث: التفصيل، وإليه ذهب ابن فارس، فالعمدة في ذلك عنده الدليل، فإن جاز رجعه عَلَى جميع الكلام كَانَ عَلَى جميعه كقوله جلّ ثناؤه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة/33] ثُمَّ قال {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} [المائدة/34] والاستثناء جائز فِي ذلك كله، والذي يمنع منه الدليل قوله

(1) ينظر: الإبهاج في شرح المنهاج2/ 154 - 156، والمحصول في علم أصول الفقه 3/ 43 - 56، وشرح الكوكب المنير3/ 312 - 323، والإحكام في أصول الأحكام 4/ 440 - 444.

(2) البحر المحيط 8/ 15.

(3) ينظر: البحر المحيط 8/ 15.

(4) ينظر: شرح الكافية للرضي 2/ 151.

(5) ينظر: شرح التسهيل 2/ 295.

(6) ينظر: همع الهوامع 3/ 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت