السابع: جملةُ الشرطِ غيرِ الظرفيِّ، وهِيَ كلُّ جملةٍ وَلِيَتْ أداةَ شرطٍ غيرَ ظرفيَّةٍ. وقَدْ أغفلَها النحاةُ، واختلفَ المعربونَ فيها، وأكثرُهم يذكرونَ في الأعاريبِ أنَّها لا محلَّ لها دونَ أنْ يجعلوا لها اسمًا أو اصطلاحًا يُميِّزُها ممَّا سواها مِنَ الجُملِ التي لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. وكانَ أبو حيَّانَ قَدْ تنبَّه إليها غيرَ أنَّه قيَّدَها بالجملِ التي تقعُ بعدَ حروفِ الشرطِ غيرِ العاملةِ، نحو: لولا زيدٌ لأكرمتُكَ، ولو جاءَ زيدٌ لأكرمتُكَ (2) .
ورأى بعضُهم (3) وجوبَ إسقاطِ هذا القيدِ ليدخلَ في هذا الموضوعِ كلُّ أداةٍ شرطيَّةٍ غيرِ ظرفيَّةٍ، حرفًا كانتْ أو اسمًا، عاملةً كانتْ أوْ غيرَ عاملةٍ، نحو: لو، لولا، لوما، كيفَ، إنْ، إذْما، مَنْ، ما، مهما، كيفَما، أيُّ.
الثامن: أنْ تَقَعَ جوابًا لشرطٍ غيرِ جازمٍ مطلقًا، كجوابِ (لوْ) و (لولا) و (لمَّا) و (كيفَ) ، نحو: (لو جاءَ زيدٌ أكرمتُكَ، ولولا زيدٌ لأكرمتُكَ) ؛ فجملةُ (أكرمتُكَ) في الموضعينِ لا محلَّ لها. أوْ تقعَ جوابًا لشرطٍ جازمٍ ولَمْ تقترنْ بالفاءِ الرابطةِ للجوابِ، ولا بـ (إذا) الفجائيَّةِ؛ نحو: (إنْ تَقُمْ أقُمْ، وإنْ قُمتَ قمتُ) ؛ أمَّا الأوَّلُ فلِظُهورِ الجزمِ في لفظِ الفعلِ، وأمَّا الثاني فلأنَّ المحكومَ لموضِعِه بالجزمِ الفعلُ، لا الجُملةُ بأسرِها (4) ، فإنْ اقترنتْ بأحدِهما كانتْ في محلِّ جزمٍ.
التاسع: أنْ تَقَعَ تابعةً لِما لا موضعَ له، كأنْ تَقَعَ توكيدًا لِما لا موضعَ له مِنَ الإعرابِ، نحو: قامَ زيدٌ قامَ زيدٌ، أو تكونَ معطوفةً على ما لا موضعَ لهُ مِنَ الإعرابِ، نحو: جاءَ زيدٌ وخَرَجَ عمروٌ. ولا يكونُ ذلكَ في النعتِ؛ لأنَّ الجملةَ الوصفيَّةَ لها موضعٌ مِنَ الإعرابِ دائمًا، كما أنَّ الصفةَ لا تكونُ للجُمَلِ؛ لأنَّ الجملةَ لا تُوصفُ.
وقدْ جمعَ المرادي هذه المواضعَ فقالَ (1) :
لكنَّ المرادي لَمْ يذكر الجملةَ الاستئنافية. كما ذكرَ الجملةَ الواقعةَ بعدَ أدواتِ التحضيضِ، وهِيَ على الصحيحِ داخلةٌ في الجملةِ الابتدائيَّة، أوِ الاستئنافيةِ.
خامسًا: الجمل التي لها محلٌّ من الإعرابِ
يُحدِّدُ النحويونَ الإطارَ العامَّ للجُمَلِ التي لها محلٌّ مِنَ الإعرابِ ـ الرفع، أو النصب، أو الجر ـ بصلاحيَّتِها للوقوعِ موقعَ المفردِ، وتقديرِها بِهِ (2) ، أي: إذا انسَلَخَتْ عَنْ جمليَّتِها، وجازَ تأويلُ مضمونِها بمفردٍ، أو نابتْ مَنابَه، ومِنْ ثَمَّ أخْذِها حُكْمَه (3) .
وزَعَمَ الرضيُّ أنَّ كونَ الجملةِ ذاتَ محلٍّ لا يُلزِمُ تقديرَها بالمفردِ، وإنَّما يعني أنَّها وَقَعَتْ موقعًا يصحُّ وقوعُ المفردِ فيهِ. قالَ:"فإنْ قِيلَ: خبرُ المبتدأ ـ أيضًا ـ إذَا كانَ جملةً يصيرُ بسببِ المبتدأ بتقديرِ المفردِ، قلتُ: لا نُسَلِّمُ، وما الدليلُ على ذلكَ؟ فإنَّ هذه دعوى مِنْ بعضِ النحاةِ، أطلقوها بلا بُرهانٍ عليها قطعيٍّ، سِوى أنَّهم قالوا: الأصلُ هُوَ الإفرادُ، فيجبُ تقديرُها بالمفردِ. وهُمْ مُطالبُونَ بأنَّ أصلَ خبرِ المبتدأ الإفرادُ، بَلْ لو ادُّعِيَ أنَّ الأصلَ فيه الجملةُ لَمْ يبعُدْ؛ لأنَّ الإخبارَ في الجُمَلِ أكثرُ، وكونُها في محلِّ الرفعِ لا يدلُّ على تقديرِها بالمفردِ، بَلْ يكفي في تقديرِ الإعرابِ في الجُمَلِ وُقوعُها"