وقَدْ تدخلُ عليها أحرفُ الاستئنافِ، كالواوِ، والفاءِ، و (ثُمَّ) ، و (أمْ) المنقطعةِ، و (بَلْ) ، و (لكنْ) مجرَّدةً مِنَ الواوِ العاطفةِ؛ وذلكَ كقولِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى u وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى u بَلْ تُؤثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا} (4) ، وقولِه تعالى: {سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} (5) ، وقولِه تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ} (6) ، ونحو: زيدٌ مقيمٌ لكنْ عمروٌ مسافرٌ.
الثالث: الجملةُ الواقعةُ صِلَةً لاسمٍ موصولٍ، أوْ لحرفٍ مصدريٍّ، فالأوَّلُ نحو: جاءَ الذي وجهُه حَسَنٌ، والثاني نحو: يُعجبني أنْ يذهبَ زيدٌ، ومنه قولُه ـ عزَّ وجلَّ ـ: {أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ} (1) فجملةُ (تخشعَ قلوبُهم) لا موضعَ لها مِنَ الإعرابِ؛ لأنَّها صِلَةٌ للموصولِ الحرفيِّ (أنْ) ، و (أنْ) مع صلتِها (تخشعَ) في موضعِ رفعٍ؛ لأنَّها مؤولةٌ بمصدرٍ وهُوَ فاعلُ (يانِ) أي: ألَمْ يأنِ للذينَ آمنوا خُشُوعُ قُلوبِهم لذكرِ الله؟ وكذلكَ الجملةُ الواقعةُ صِلةً لـ (ما) المصدريَّةِ وغيرِها مِنَ الحروفِ المصدريَّةِ.
الرابع: الجملةُ المُعترِضةُ بينَ شيئيْنِ متلازميْنِ، وهِيَ المفيدُةُ تقويَةً بينَ جزأي صلةٍ (2) ، نحو: جاءَ الذي جودُه ـ والكرمُ زَيْنٌ ـ مبذولٌ، أو إسنادٍ، كوقوعِها بينَ الفعلِ والفاعلِ في قولِكَ: نَجَحَ ـ أعتقدُ ـ زيدٌ، وفي قولِ الشاعرِ:
وَقَدْ أدْرَكَتْنِي ـ والحَوادِثُ جَمَّةٌ ـ أَسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٍ ولا عُزْلِ (3)
أوْ بينَ الشرطِ وجوابِه، كما في قولِه تعالى: {فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ} (4) ، ونحو ذلكَ، وكوقوعِها بين نعتٍ ومنعوتٍ كقولِه ـ تعالى ـ: {وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} (5) ، فقولُه: (لو تعلمونَ) اعتراضٌ بينَ الصِّفةِ والموصوفِ. أو تقعُ بينَ الجارِّ ومجرورِه، نحو: هذا غلامُ ـ واللهِ ـ زيدٍ. أو بينَ المبتدأ والخبرِ كقولكَ: أمَّةُ الإسلامِ ـ أنا واثقٌ ـ منتصرةٌ. أو بينَ الفعلِ ومفعولِه، نحو: أكلتُ ـ أظنُّ ـ تفاحًا وعنبًا.
الخامس: أنْ تَقَعَ جوابًا للقسمِ، سواءٌ أذُكِرَ فعلُ القَسَمِ وحرفُه، أمِ الحرفُ فقط، أمْ لَمْ يُذكرا، فالأوَّلُ نحو: أُقسمُ باللهِ لأفعلنَّ، والثاني نحو: {وَالْعَصْرِ u إنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (1) ، {وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ} (2) ، والثالثُ نحو: {أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بَالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُون} (3) .
السادس: الجملةُ التفسيريَّةُ، وهِيَ الجُملةُ التي تكونُ فضلةً، كاشفةً لحقيقةِ ما تليهِ. ولها ثلاثةُ أقسامٍ: مجرَّدة مِنْ حرفِ التفسيرِ، كقولِه تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ u تُؤْمِنُونَ بِاللهِ} (4) ، فجملةُ (تؤمنون) تفسيرٌ للتجارةِ، وقيل: مستأنفةٌ معناها الطلبُ، كأنهم قالوا: كيفَ نفعلُ؟ فقالَ لهم: تؤمنونَ، أي: آمِنوا. ومقرونةٌ بـ (أنْ) كقولِه تعالى: {فَأوْحَيْنَا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ} (5) ، ومقرونةٌ بـ (أيْ) ، وهذهِ تدخلُ على الأسماءِ وأشباهِ الجُملِ، فيكونُ ما بعدَها عطفَ بيانٍ، وعلى الكلماتِ مُرادًا لفظُها ـ على الحكايةِ ـ فتكونُ في محلِّ رفعٍ خبرًا، وعلى الجُمَلِ فتكونُ الجُمَلُ بعدَها تفسيريَّةً لا محلَّ لها، ومِنَ ذلكَ قولُ الشاعرِ:
وترمينَني بالطرفِ أي: أنتَ مُذْنِبٌ وتقْلينني، لكنَّ إياكِ لا أقلي (6)
فجملةُ (أنتَ مذنب) هيَ تفسيرٌ لقوله: (ترمينني بالطرفِ) ؛ لأنَّ الرميَ بالطرفِ هُوَ نظرُ الغاضِبِ، ولا يكونُ ذلكَ إلاَّ عنْ ذنبٍ (1) . ويُشترطُ في مثلِ هذا أنْ تقعَ (أيْ) بينَ جملتينِ، كلٌّ واحدة منهما تامَّةٌ مستغنيةٌ بنفسِها، والثانيةُ تفسيرٌ لمعنى الأولى.