جملةٍ اسميَّةٍ، نحو: تبيَّنَ لي أيُّكم صادقٌ، وما يزالُ العلمُ في طلبِه خيرٌ (2) .
تقييدِ (2) .
رابعًا: الجملُ التي لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ
مِنَ القواعدِ المقرَّرةِ عندَ النحويينَ أنَّ الأصلَ في الجُملةِ ألاَّ يكونَ لها موضعٌ مِنَ الإعرابِ؛ وإنَّما كانتْ كذلكَ؛ لأنَّها إذا كانَ لها موضعٌ مِنَ الإعرابِ تَقَدَّرَتْ بالمفردِ، والأصلُ في الجملةِ أنْ تكونَ مستقلَّةً لا تتقدَّرُ بمفردٍ، فتكون جزءَ كلامٍ لِما قبلَها (3) . ومُقتضَى هذا مقتضَى اعتبارِ جميعِ الجُمَلِ غيرَ ذاتِ محلٍّ، إلاَّ ما يُستثنَى منها، ومِنْ ثَمَّ عدم حصرِها اكتفاءً بحصرِ ما له محلٌّ منها، بيدَ أنَّهم ـ لأسبابٍ تعليميَّةٍ ـ رأوا تحديدَ هذه الجملِ (4) ، وإنِ اختلفوا في تعدادِها؛ فالشائعُ عندَ جمهورِهم كابنِ هشامٍ ومَنْ تبعَه أنَّ الجملَ التي لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ سبعٌ؛ هِيَ الجملةُ الاستئنافيَّةُ، والجُملةُ الاعتراضيَّةُ، والجُملةُ التفسيريَّةُ، وجُملةُ جوابِ القَسَمِ، وجُملةُ جوابِ الشرطِ غيرِ الجازمِ، أوِ الجازمِ الذي لَمْ يقترنْ بالفاءِ، أو (إذا) الفجائيَّةِ، وجُملةُ الصِّلةِ، والجُملةُ التابعةُ لما لا محلَّ لهُ مِنَ الإعرابِ. وقالَ المراديُّ:"وأمَّا الجملُ التي لا موضعَ لها مِنَ الإعرابِ فتسعٌ"فزادَ الجملةَ الواقعةَ بعد أدواتِ التحضيضِ والواقعةَ بعد أدوات التعليقِ غيرِ العاملةِ (5) .
أما أبو حيان في ارتشاف الضربِ فيراها اثنتيْ عشرةَ جملةً، ومردُّ ذلكَ إلى أنَّه فَصَّلَ في الجملةِ التابعةِ لِما لا محلَّ له؛ فعدَّ الجملةَ الواقعةَ توكيدًا لِما لا محلَّ له مِنَ الإعرابِ، نحو: (قامَ زيدٌ قامَ زيدٌ) موضعًا، والجملةَ المعطوفةَ على ما لا محلَّ له، نحو: (جاءَ زيدٌ وخرجَ عمروٌ) موضعًا آخرَ. وعدَّ الجملةَ الواقعةَ بعدَ أدواتِ الابتداءِ موضعًا آخرَ غيرَ الجملةِ الابتدائيَّةِ.
وقدْ أنعمتُ النظرَ في هذه المواضعِ وقارنتُ بعضَها ببعضٍ، وقرأتُ ما قالَه النحويونَ فيها فوجدتُ نفسي مطمئنَّةً إلى أنَّ هذه المواضعَ تسعةٌ، هي (1) :
الأوَّل: الجملةُ الابتدائيَّة (2) ، وهيَ الواقعةُ في ابتداءِ الكلامِ، اسميَّةً كانتْ أو فعليَّةً. وتقعُ الجملةُ ابتداءَ كلامٍ؛ لفظًا ونيَّةً، نحو: زيدٌ قائمٌ، وقامَ زيدٌ، أوْ نيَّةً لا لفظًا، نحو: راكبًا جاءَ زيدٌ؛ لأنَّ الجملةَ في نيَّةِ التقديمِ، والحالُ في نيَّةِ التأخيرِ، أو حُكْمًا، وهِيَ الواقعةُ بعدَ أدواتِ الابتداءِ، كـ (إنَّ) وأخواتِها إذا كُفَّتْ بـ (ما) نحو: إنَّما زيدٌ قائمٌ، و (هَلْ) و (ألاَ) الاستفتاحيَّةِ، و (أمَا) أختِها، و (ما) النَّافيةِ غيرِ الحجازيَّةِ، نحو: هَلْ زيدٌ قائمٌ؟ وألاَ خالدٌ مسافرٌ، وأمَا محمدٌ مقيمٌ، وما جعفرٌ سائرٌ.
الثاني: الجملةُ المستأنفةُ، والاستئنافُ لغةً هو الابتداءُ، يُقالُ: استأنفتُ الشيءَ إذا ابتدأتُه، وأخذتُ أولَه. ولهذا جَمَعَ ابنُ هشامٍ بينَ الجملةِ الابتدائيَّةِ والجملةِ الاستئنافيَّةِ فقالَ:"الابتدائيَّةُ، وتُسمَّى ـ أيضًا ـ المستأنفةَ وهُوَ أوضحُ؛ لأنَّ الجملةَ الابتدائيَّةَ تُطلقُ على الجملةِ المصدَّرةِ بالمبتدأ، ولو كانَ لها محلٌّ" (1) .
ويذهبُ بعضُهم ـ وهو الصحيحُ ـ إلى الفصلِ بينَ الجملتيْنِ؛ بداعي أنَّ الجملةَ الابتدائيَّةَ هِيَ التي يُبدأ بها الكلامُ. أمَّا المستأنفةُ فهِيَ التي تأتي في أثناءِ الكلامِ، ومنقطعةً عمَّا قبلَها انقطاعًا صِناعيًّا، أي انقطاعًا إعرابيًّا لا معنويًّا، لاستئنافِ كلامٍ جديدٍ، فلا تتعلَّق به باتِّباعٍ، أو إخبارٍ، أو نعتٍ، أو حالٍ. فجملةُ (رحمه الله) من قولِكَ: (ماتَ فلانٌ، رحمه الله) مُستأنفةٌ، أي: منقطعةٌ عمَّا قبلَها انقطاعًا إعرابيًّا على الرغمِ مِنْ ارتباطِها بما قبلَها في المعنى (2) . وكذلكَ الشأنُ في قولِه تعالى: {قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا u إنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ} (3) .