بالجُمَلِ المركَّبةِ.
وقالوا: الكُبرَى هيَ الاسميَّةُ التي خبرُها جملةٌ نحو: زيدٌ قامَ أبوه، وزيدٌ أبوه قائمٌ والصُغرى هي الجملةُ المبنيَّةُ على غيرِها، كـ (قامَ أبوه) مِنْ قولِكَ: زيدٌ قامَ أبوه. أوْ هِيَ الجملةُ المخبرُ بها عن مبتدأ في الأصلِ نحو: إنَّ زيدًا أبوه منطلقٌ، وكانَ زيدٌ قدْ قامَ أبوه، أو في الحالِ كقولِكَ: زيدٌ أبوه منطلقٌ، اسميَّةً كانتْ أو فعليَّةً (1) .
وقَدْ تكونُ الجملةُ صُغْرَى وكُبْرَى باعتبارَيْنِ، نحو: (زيدٌ أبوهُ غلامُهُ منطلقٌ) ؛ فـ (زيد) مبتدأ أوَّلٌ، و (أبوه) مبتدأ ثانٍ، و (غلامُه) مبتدأ ثالثٌ، و (منطلقٌ) خبرُ المبتدأ الثالثِ، والمبتدأ الثالثُ وخبرُه خبرُ المبتدأ الثاني وهوَ (أبوه) والرابطُ بينَهما الهاءُ مِنْ (غلامه) ، والمبتدأ الثاني وخبرُه وهما (أبوه غلامُه منطلقٌ) خبرُ المبتدأ الأوَّلِ وهو (زيدٌ) والرابطُ بينَهما الهاءُ من (أبوه) .
ومجموعُ الكلامِ جملةٌ كُبْرَى لا غيرُ، و جملةُ (غُلامُه منطلقٌ) صُغْرَى لا غيرُ؛ لأنَّها خبرٌ، و جملةُ (أبوهُ غلامُه منطلقٌ) كُبْرَى باعتبارِ (غُلامُه منطلقُ) ، أي وقوع الخبرِ فيها، وصُغْرَى باعتبارِها خبرًا عمَّا قبلَها (2) .
وحاصلُ المعنى: زيدٌ غلامُ أبيه منطلقٌ (3) .
ومثلُه {لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي} (4) ؛ إذِ الأصلُ (لكنْ أنا هوَ اللهُ ربي) (5) ففيها ـ أيضًا ـ ثلاثةُ مبتدآتٍ إذا لَمْ يُقدَّرْ (هُوَ) ضميرًا له سُبحانَه، ولفظُ الجلالةِ بدلٌ منه أوْ عطفُ بيانٍ عليهِ، بَلْ قُدِّرَ ضميرَ الشأنِ وهُوَ الظاهرُ، ثُمَّ حُذِفَتْ همزةُ (أنا) حذفًا اعتباطيًّا، وقِيلَ: حذفًا قِياسيًّا بأنْ نُقِلَتْ حركتُها ثُمَّ حُذِفَتْ، ثُمَّ أُدغِمَتْ نونُ (لكن) في نونِ (أنا) .
فـ (أنا) مبتدأ أوَّلٌ، و (هو) ضميرُ الشأنِ مبتدأ ثانٍ، و (الله) مبتدأ ثالثٌ، و (ربي) خبرُ المبتدأ الثالث، والثالثُ وخبرُه خبرُ المبتدأ الثاني، ولا يحتاجُ لرابطٍ؛ لأنَّها خبرٌ عنْ ضميرِ الشأنِ، والثاني وخبرُه خبرُ الأوَّلِ، والرابطُ بينَهما ياءُ المتكلمِ. ويُسمَّى المجموعُ جملةً كبرى، و (الله ربي) جملةً صُغرى، و (هو الله ربي) جملةً كبرى بالنسبة إلى (اللهُ ربي) وصُغرى بالنسبة إلى (أنا) (1) .
وقدْ تكونُ الجملةُ لا صُغرى ولا كُبرى لفقدِ الشرطينِ، كـ (قامَ زيدٌ) و (هذا زيدٌ) (2) .
ومثلُ ذلكَ: أصبحَ العلمُ يسيرًا، إنْ تجتهدْ تنجحْ، فهيَ ليستْ كُبرَى ولا صُغرَى؛ لأنَّها تركيبٌ بسيطٌ تقومُ كُلُّ جملةٍ منها برأسِها، ولا تتصلُ بغيرِها اتصالًا إسناديًّا أصليًّا أو فرعيًّا (3) .
ولَمْ يكتفِ بعضُ النحويينَ بتقسيمِ الجملةِ إلى الصُغرَى والكُبرَى فقسَّمَ الجملةَ الكُبرَى ـ بالنظرِ إلى التركيبِ الداخليِّ للجملةِ ـ إلى قسميْنِ:
أوَّلهما: ذاتُ الوجهِ الواحدِ: وهِيَ ما كانتْ اسميَّةَ الصدرِ، والخبرُ جملةٌ اسميَّةٌ مثل: الفضلُ خيرُه واسعٌ، أوْ صدرُها فعلٌ مسندٌ إلى جملةٍ فعليَّةٍ مثل: ظننتُ زيدًا يقومُ أبوه.
وثانيهما: ذاتُ الوجهيْنِ، وهِيَ التي صدرُها اسمٌ، والخبرُ جملةٌ فعليَّةٌ؛ لأنَّها باعتبارِ الاسمِ الواقعِ في صدرِها تُسمَّى اسميَّةً، وباعتبارِ الفعلِ الواقعِ في عجزِها تُسمَّى فعليَّةً، فهيَ ذاتُ اعتباريْنِ (4) . وذلكَ نحو: الجريحُ يستغيثُ، ومنهُ قولُه تعالى: {إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} (1) ، أوْ صدرُها فعلٌ مُسندٌ إلى