الصفحة 5 من 13

هو فاعلٌ في حقيقتِه، لكنَّه قُدِّمَ لأهميَّتِه في الكلامِ، فلا داعيَ لاعتبارِه مبتدأً في الوقتِ الذي نعتبرُ فيهِ ضميرَه فاعلًا، والضميرُ مطابقٌ للمضمرِ له ويُشيرُ إليه، فهوَ على هذا فاعلٌ، إنْ تقدَّمَ وإنْ تأخَّرَ (6) .

هذا هوَ الشائعُ عندَ النحويينَ؛ أعني أنَّ الجملةَ نوعانِ: اسميَّةٌ وفعليَّةٌ.

وقدْ خرجَ بعضُ العلماءِ عنْ هذا التقسيمِ، وذهبوا في ذلكَ مذاهبَ متباينةٍ.

فزادَ الزمخشريُّ وغيرُه الجملةَ الشرطيَّةَ، ومثَّلَ لها بخبرِ المبتدأ في قولِكَ: بكرٌ إنْ تُعطِهِ يشكرْكَ (1) . وخطَّأه ابنُ هشامٍ إذْ قالَ:"والصوابُ أنَّها مِنْ قبيلِ الفعليَّةِ" (2) . يريدُ أنَّ الجملةَ الشرطيَّةَ هِيَ جملةٌ فعليَّةٌ لا غيرُ.

والزمخشريُّ متابعٌ في ذلكَ أبا عليٍّ الفارسيَّ الذي قسَّمَ الجملةَ إلى أربعةِ أقسامٍ، هي: الجملةُ الاسميَّةُ، والجملةُ الفعليَّةُ، والجملةُ الظرفيَّةُ، والجملةُ الشرطيَّةُ (3) . وسبقَ أبا القاسمِ ـ أيضًا ـ عبدُ القاهرِ الجرجانيُّ (4) .

وخالَفَ ابنُ يعيش مَنْ ذهبَ إلى هذا التقسيمِ، وذكَرَ أنَّ الجملةَ ضربانِ فعليَّةٌ واسميَّةٌ وعلَّلَ رأيَه في الجملةِ الشرطيَّةِ وإعرابِها فيَرَى أنَّها جملةٌ فعليَّةٌ، قالَ:"لأنَّ الشرطيَّةَ في التحقيقِ مركَّبةٌ مِنْ جملتيْنِ فعليَّتيْنِ: الشرطُ فعلٌ وفاعلٌ، والجزاءُ فعلٌ وفاعلٌ" (5) . وقالَ:"لأنَّ الشرطَ لا يكونُ إلاَّ فعلًا ولا يليه مبتدأ وخبرٌ، فلا تقولُ: إنْ زيدٌ قائمٌ أقُمْ. وقدْ يجوزُ في الاستفهامِ أنْ تقولَ: أزيدٌ قائمٌ؟ فقدْ علمتَ أنَّ حروفَ الجزاءِ ألزمُ للفعلِ مِنْ حروفِ الاستفهامِ" (6) .

وذَكَرَ ابنُ هشامٍ في المغني (7) جملةً رابعةً أسماها الظرفيَّةَ. قالَ:"وهيَ المصدَّرةُ بظرفٍ أو مجرورٍ، نحو: أعندَكَ زيدٌ، وأفي الدارِ زيدٌ؟ إذا قدَّرتَ (زيدًا) فاعلًا بالظرفِ والجارِّ والمجرورِ، لا بالاستقرارِ المحذوفِ، ولا مبتدأ مخبرًا عنهُ بهما (8) ."

ومثَّلَ الزمخشريُّ للجملةِ الظرفيَّةِ بقولِه: خالدٌ في الدارِ (1) . وهوَ يُريدُ أنَّ (في الدارِ) جملةٌ، وهِيَ المقصودةُ بالظرفيَّةِ؛ لأنَّ الفعلَ (استقرَّ) حُذِفَ قبلَها، فانتقلَ الضميرُ مِنَ الفعلِ إليها، وأُضمِرَ فيها (2) .

ولعلَّ الذي حملَ القائلينَ بالجملةِ الظرفيَّةِ أنَّ نحوَ: عندَ زيدٍ نَمِرَةٌ، وأمامَكَ عَقَباتٌ، ونحو: {أَفِي اللهِ شَكٌّ} (3) ، وقولكَ: في الدارِ رجلٌ، وأمثالَها ليستْ فعليَّةً؛ لأنَّ الفعلَ لا يظهرُ فيها، وليستْ اسميَّةً؛ لأنَّ الاسميَّةَ ما كانَ المبتدأ أوِ المسندُ إليه فيها صدرًا ما لَمْ يطرأ على المسندِ ما يقتضي تقديمَه، كأنْ يحظى باهتمامِ المتكلمِ وعنايتِه. وتقدُّمُ المسندِ في هذه الجملِ ليسَ طارئًا، ثُمَّ إنَّ المسندَ فيها يُشيرُ إلى الكينونةِ العامَّةِ، أوِ الوجودِ العامِّ، ممَّا يجعلُها إلى أنْ تكونَ فعليَّةً أقربُ منها إلى أنْ تكونَ اسميَّةً، كلُّ هذه الجملِ بينَ بينَ، لا هِيَ بالاسميَّةِ، ولا هِيَ بالفعليَّةِ (4) .

والاختيارُ أنَّ الاسمَ المرفوعَ بعدَ الظرفِ أو الجارِّ والمجرورِ مبتدأ مؤخرٌ حُذِفَ خبرُه، لدلالةِ شبهِ الجملةِ عليهِ، فالجملةُ اسميَّةٌ (5) .

ثالثًا: انقسامُ الجملةِ إلى صُغْرَى وكُبْرَى:

قَسَّمَ بعضُ النحويينَ الجُمَلَ إلى صُغْرَى، أو ما يُسمَّى بالجُمَلِ البسيطةِ، وإلى كُبْرَى، أو ما يُسمَّى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت