وحاولَ بعضُ النحويينَ الجمعَ بينَ مصطلحِ الجملةِ والكلامِ والتوفيق بينَهما، وهو أنَّ إطلاقَ الجملةِ على ما ذُكِرَ مِنَ الواقعةِ شرطًا أو جوابًا أو صلةً إطلاقٌ مجازيٌّ؛ لأنَّ كلاًّ منها كانَ جملةً قبلُ، فأُطلِقتْ عليه باعتبارِ ما كانَ.
وهذا يبدو حلاًّ مقبولًا لا يتعارضُ معَ ما ذهبَ إليه القائلونَ بالترادفِ مِنْ جهةٍ، وما ذهبَ إليه المخالفونَ مِنْ جهةٍ أخرى (3) .
ثانيًا: تقسيم الجملة:
ذهبَ معظمُ النحاةِ إلى القولِ بأنَّ الجملةَ في لغة العربِ قسمانِ: اسميَّةٌ وفعليَّةٌ (4) .
فالاسميَّةُ: هِيَ التي صدرُها اسمٌ، كزيد قائمٌ، وهيهاتَ العقيقُ، وقائمٌ الزيدانِ، عندَ مَنْ جَوَّزَه وهُوَ الأخفشُ والكوفيونَ (1) .
والمرادُ بصدرِ الجملةِ المسندُ أوِ المسندُ إليهِ، فلا عبرةَ بما تقدَّمَ عليهما مِنْ حروفِ المعاني، كحروفِ العطفِ وحروفِ النفي ونحوِها؛ فإنَّه لا يُغيِّرُ التسميةَ، سواءٌ أغيَّرَ الإعرابَ دونَ المعنى نحو: إنَّ زيدًا قائمٌ، أمِ المعنى دونَ الإعرابِ نحو: أزيدٌ تفضَّلا، وهَلْ زيدٌ قائمٌ، أمْ غيَّرَهما معًا نحو: ما زيدٌ قائمًا، أمْ لَمْ يُغيِّرْ واحدًا منهما نحو: قدْ قامَ زيدٌ، ولَزيدٌ قائمٌ، فلا عبرةَ بما تقدَّمَ على هذه الجملِ كلِّها من الحروفِ؛ لأنَّ المرادَ بصدرِ الجملةِ المسندُ أو المسندُ إليه (2) .
والجملةُ الفعليَّةُ هيَ التي صدرُها فعلٌ؛ سواء أكانَ ماضيًا، أمْ مضارعًا، أمْ أمرًا، نحو: (قامَ زيدٌ، ويضربُ عمروٌ، واضربْ زيدًا) وسواء أكانَ الفعلُ متصرفًا أمْ جامدًا نحو: (نِعْمَ العبدُ) وسواء أكانَ تامًّا أمْ ناقصًا نحو: (كانَ زيدٌ قائمًا) وسواء أكانَ مبنيًّا للفاعلِ، أمْ مبنيًّا للمفعولِ (3) نحو: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} (4) .
ويُرادُ ـ أيضًا هاهنا ـ بصدرِ الجملةِ المسندُ أوِ المسندُ إليهِ، فلا عبرةَ بما تقدَّمَ عليها مِنَ الحروفِ، نحو: (أقامَ زيدٌ؟ وإنْ قامَ زيدٌ، وقدْ قامَ زيدٌ، وهلاَّ قمتَ) .
والمعتبرُ ـ أيضًا ـ ما هُوَ صدرٌ في الأصلِ، فالجملةُ مِنْ نحوِ: (كيفَ جاءَ زيدٌ) ومِنْ نحوِ: {فَأيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ} (5) ، ومِنْ نحوِ: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} (6) ، و: {خُشَّعًا أبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ} (7) فعليَّةٌ؛ لأنَّ هذه الأسماءَ في نيَّةِ التأخيرِ، وكذا الجملةُ في نحوِ: (يا عبدَ اللهِ) ونحوِ: {وَإنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} (1) و: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَها} (2) ، {وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى} (3) لأنَّ صدورَها في الأصلِ أفعالٌ، والتقديرُ: أدعو زيدًا، وإنْ استجاركَ أحدٌ، وخَلَقَ الأنعامَ، وأقسِمُ والليلِ (4) .
وقدْ خالفَ الدكتورُ مهدي المخزومي ـ من الباحثينَ المحدثينَ ـ ابنَ هشامٍ في الجملةِ التي يكونُ خبرُها فعلًا، فهيَ في رأيِ ابنِ هشامٍ اسميَّةٌ، وفي رأيِ المخزوميِّ فعليَّةٌ؛ لأنَّه يَرَى أنْ يُبنَى تقسيمُ الجملةِ على أساسٍ آخرَ ينسجمُ معَ طبيعةِ اللغةِ، ويستندُ إلى ملاحظةِ الجُملِ، ومراقبةِ أجزائها في أثناءِ الاستعمالِ، وينبغي أنْ يستندَ تقسيمُ الجملةِ إلى المسندِ لا إلى المسندِ إليهِ كما فعلَ ابنُ هشامٍ وغيرُه؛ لأنَّ أهميَّةَ الخبرِ، أوِ الحديثِ إنَّما تقومُ على ما يؤديهِ المسندُ مِنْ وظيفَةٍ، وعلى ما للمسندِ إليهِ مِنْ دلالةٍ (5) .
ومالَ الدكتورُ علي جابر المنصوري إلى ما رآه المخزوميُّ، ذلكَ لأنَّ ما يراهُ يُوفِّرُ علينا ظاهرةَ التقديرِ للفاعلِ فيما لو أُخِّرَ الفعلُ في نحو: الطالبُ يكتبُ. لأنَّ الطالبَ الذي يراه ابنُ هشامٍ مبتدأً