{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} (3) لأنَّه يُقالُ: نظرتُ فيهِ، وتفَكَّرتُ فيه ولكنْ عُلِّقتْ هُنا بالاستفهامِ عَنِ الوصولِ في اللفظِ إلى المفعولِ، وهِيَ مِنْ حيثُ المعنى طالبةٌ له على معنى ذلكَ الحرفِ. وفي موضعِ مفعولِهِ إنْ تَعَدَّى إلى واحدٍ، نحوَ: عرفتُ هَلْ زيدٌ في الدارِ، وعَرَفْتُ مَنْ أبوكَ؟ فالجملةُ المعلَّقُ عنها في موضعِ مفعولِه، أي: عرفتُ هذا الأمرَ، ومنهُ ـ على رأي المازنيِّ وابنِ مالكٍِ ـ: أمَا تَرَى أيُّ بَرْقٍ ها هُنا.
لأنَّ الرؤيةَ فيهِ عندَهما بَصَريَّةٌ (4) ، و (رَأَى) البصريَّةُ وسائرُ أفعالِ الحواسِّ إنَّما تتعدَّى لواحدٍ بلا خلافٍ (5) .
وتكونُ سادَّةً مَسَدَّ مفعوليْنِ إنْ تَعَدَّى إلى مفعوليْنِ أصلُهما المبتدأ والخبرُ، فتقومُ مقامَ الأوَّلِ والثاني نحوَ: علمتُ أزيدٌ عندَكَ أمْ عمروٌ (6) . ومنه قولُه تعالى: {وَلَتَعْلَمُّنَ أيُّنَا أشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} (7) ، أوِ الثاني والثالث، نحوَ: أعلمتُكَ هَلْ زيدٌ في الدارِ؟ (1) .
وإنْ كانَ مِنْ بابِ ما يتعدَّى إلى واحدٍ بنفسِه، وجاءتْ بعدَه جملةُ الاستفهامِ نحو: (عَرَفْتُ زيدًا أبو مَنْ هُوَ؟) كانَ الاسمُ مفعولًا بـ (عَرَفْتُ) باتِّفاقٍ (2) ، وأمَّا الجملةُ ففيها الخلافُ على ثلاثةِ مذاهبَ:
الأوَّل: أنَّ الجملةَ في موضعِ نصبٍ على الحالِ (3) ، وعزاهُ أبو حيانَ إلى المبردِ، والأعلمِ، وابنِ خروفٍ (4) ، وتابعهُ في ذلكَ المراديُّ (5) والأصبحيُّ (6) والسيوطيُّ (7) والصبَّانُ (8) .
قلتُ: الذي وجدتُه في كتابِ (النكتِ في تفسيرِ كتابِ سيبويهِ) للأعلمِ مُخالفٌ لِما نُقِلَ عنه، حيثُ يَرَى أنَّ الجملةَ بَدَلٌ مِنْ (زيد) ـ على ما سيأتي في المذهبِ الثاني ـ وما نُقِلَ عنهُ إنَّما هُوَ قولٌ حكاهُ عنِ المبردِ، ولَمْ يقبلْه، فقالَ: «فـ (زيد) منصوبٌ بـ (عَرَفْتُ) و (أبو مَنْ هُوَ) عندَ المبردِ حالٌ، وهُوَ غَلَطٌ؛ لأنَّ الجملةَ إذا كانتْ في موضعِ الحالِ جازَ أنْ تدخلَ عليها الواوُ كقولِكَ: مررتُ بزيدٍ وأبوهُ قائمٌ. وأنتَ لا تقولُ: عَرَفْتُ زيدًا وأبو مَنْ هُوَ، فَقَدْ بَطَلَ الذي قالَ مِنَ الحالِ، والصوابُ أنْ تكونَ الجملةُ بَدَلًا مِنْ زيدٍ، وموضعُها نَصْبٌ؛ كأنَّكَ قلتَ: عَرَفْتُ أبو مَنْ هُوَ» (1) .
ورُدَّ هذا المذهبُ بأنَّ الجُمَلَ الإنشائيَّةَ لا تكونُ حالًا (2) ، وأنَّ المعنى ليسَ على: عرفتُ زيدًا في هذه الحالِ (3) .
وَرَدَّه ابنُ عصفورٍ بأنَّ جملةَ المبتدأ والخبرِ إذا كانتْ في موضعِ الحالِ يجوزُ دُخُولُ الواوِ عليها، ولا يتغيَّرُ المعنى الذي كانتِ الجملةُ تُعطيهِ قبلَ دُخُولِ الواوِ نحو: (جاءَ زيدٌ يَدُهُ على رأسِه) ، يسوغُ فيهِ أنْ تقولَ: ويَدُه على رأسِه، والمعنى واحدٌ، وأنتَ لو قلتَ: عَرَفْتُ زيدًا وأبو مَنْ هُوَ، لَمْ يكنْ معناهُ كمعنى عَرَفْتُ زيدًا أبو مَنْ هُوَ، ألا تَرَى أنَّ المعنى في عَدَمِ الواوِ: عَرَفْتُ أبو مَنْ زيدٌ، ومعَ الواوِ: عَرَفْتُ زيدًا وعَرَفْتُ أبو مَنْ هُوَ. فَدَلَّ ذلكَ على أنَّ الجملةَ ليستْ في موضعِ الحالِ (4) .
الثاني: أنَّ الجملةَ في موضعِ المفعولِ الثاني وأنَّ (عَرَفْتُ) ضُمِّنَتْ معنى (عَلِمْتُ) فتعدَّتْ إلى مفعوليْنِ، كما ضُمِّنَتْ (نَبَّاتُ وأنْباتُ وأخْبَرْتُ) معنى (أعْلَمْتُ) فَتَعَدَّتْ تَعَدِّيها (5) ، وهُوَ مذهبُ أبي عليٍّ ـ فيما حكاهُ عنه ابنُ جنِّي ـ وتبعَه أبو عبدِ اللهِ بن أبي العافيةِ (6) ، واختارَه أبو حيَّانَ (7) .
ورُدَّ بأنَّ التضمينَ بابُه الشِّعْرُ، وما جاءَ منهُ في الكلامِ محفوظٌ، ولا يُقاسُ عليه لقلَّتِهِ، وأمَّا ما نحنُ فيه فمقِيسٌ (1) . قالَ ابنُ هشامٍ: «وعلى القولِ بأنَّ (عرف) بمعنى (عَلِمَ) فهلْ يُقالُ: إنَّ الفعلَ مُعَلَّقٌ عَنِ الجملةِ الاستفهاميَّةِ في هذه الصورةِ أمْ لا؟ قالَ جماعةٌ مِنَ المغاربةِ: إذا قلتَ: (علمتُ زيدًا لأَبُوهُ قائمٌ) أو (ما أبوهُ قائمٌ) فالعاملُ مُعَلَّقٌ عَنِ الجملةِ، وهُوَ عاملٌ في محلِّها النصبَ على أنَّها