دهش كل الدهش أخوه أذ يراه قد جاوز العقد الثاني من عمره، فأصبح طلب العلم عليه غير هين أدرك المؤلف منه هذا فقال: قد تسبق العرجاء. والله يختص برحمته من يشاء. ثم أقبل المؤلف على مطلوبة أيما إقبال. فكنت تراه في اليوم الواحد يحفظ قسطا من كتاب الله تعالى، ومقدارا من المتون الأزهرية على الطريقة المألوفة إذ ذاك، ويتردد على حلقات العلم يتزود منها ما شاء الله. ومضى عليه نصف عام كامل فهل يدور بخلدك [1] أن هذا التلميذ الناشئ في مكنته [2] أن يكون أستاذا المبتدئين يتلقون عنه دروس العلم في المساء، ويشرف عليها بعض المعلمين المعجبين بذكاء ابن الريف المتقدم في سنة !! وما زال مجدا مواصلا ليله بنهاره، غير مقتصر على أن يملأ مخيلته بالمسائل العلمية يرددها لسانه، بل وضع نصب عينيه العمل بما يتطلبه العلم، موقنا أن الطالب لذلك هو الله تعالى ورسوله شاعرا أن وراء أبناء الحلقات الريفية، وهم الذين خيم الجهل عليهم فما يدرون حلالا ولا حراما، وما يفرقون بين ولي ولا نبي!!
وهؤلاء لابد أن تجمع الأيام بينه وبينهم فتنقلب هذه الحلقات الدنيوية إلى حلقات دينية يرى المجتمعون فيما من كان على شاكلتهم أضحى لهم معلما. ومعلم هذه الطبقات ترمقه عيونهم، وتصغى إلى قوله آذانهم. فإن عمل بما أرشدهم إليه التفوا حوله وقدسوه، وأن أعوج انفضوا من حوله، واحترزوه.
لبث المؤلف يتلقى عن أستاذته الأجلاء بالجامع الأزهر المنير ويلقى في أوقات فراغه دروسا شتى على بعض الطلاب، ويرشد أبناء الريف إذا ما رجع إليهم فكان أزهريا بين الأزهريين، وواعظا مرشدا بين الريفيين وما رضى المؤلف أيام طلبه العلم أن يتناول جراية من أوقاف الأزهر، ولا أن يدون أسمه بين دفاتره، وما كان شغله الشاغل إلا التفاني في العلم، والتحلي بالعمل، وهو ثمرة العلم!
(1) يقال أقام ردحا من الدهر بفتحتين أي طويلا.
(2) المكنة) بفتح فكسر القدرة.