ويرى توينبي أن القوة العربية وصلت الذروة في عمل الخلفاء ضد الإسبان الشماليين، ومع ذلك لم تنهِ السيادة الإسبانية نهائيًا من الشمال مما جعل هذه الأعمال-خاصة في عهد الحاجب المنصور- بما أثارته من تحدٍ ورد فعل عليه نقطة الانعطاف في الصدام بين الإسلام والمسيحية خلال العصور الوسطى، وبالتالي البداية نحو المد الصليبي الذي سيمتد من نهر دويرة إلى نهر الأردن وما وراءه:toynbe ( aj.astudy of history voi. V111 p. 349/351) كما أن أحداث عصر الخلافة التي أدّت إلى قوة الأندلس وعظمتها وازدهارها حملت في ثناياها عوامل انهيار الخلافة وتمزق المجتمع الأندلسي ووحدته السياسية، فإذا أنهى العصر الصراع الاجتماعي بين عرب ومولّدين ومستعربين، إلا أن الثمن الذي دفعه الخلفاء من أجل تحقيق ذلك كان زوال امتيازات الجند، وهي الطبقة التي كانت إحدى دعائم الحكم الأموي منذ قيامه، وعوّض عنهم الخلفاء بعبيد صقالبة ومرتزقة من قبائل مغربية كوّنوا بمجموعهم طبقة غريبة تراكم الحقد عليها بقدر ما كان عددها يتزايد، وامتيازاتها تكثر وتكبر حتى وصل إلى ذروته في العصر العامري، فقد استكثر الحاجب محمد بن أبي عامر المنصور من العبيد الصقالبة كي يضمن سيطرته، واستدعى جماعات من قبائل مغربية شتى متعادية في أرضها، مما يضمن له عدم إمكانية اتفاقها ضده, وعمد ابنه عبد الملك الملقب بالمظفر, والذي حكم من سنة 392-399هـ, إلى تقريب المحاربين المغاربة أكثر من والده حتى كاد أن يَقصُر مجالسته على رجالهم, ولم يقتصر الاعتماد على هؤلاء الأغراب على المجال العسكري فقط بل تعدّاه إلى المجال المدني, فعين الخلفاء رجالًا من العبيد أو من الأحرار ذوي الأصول المتواضعة, وأبعدوا أسر موالي الأمويين التي كانت ركيزة ثانية للدولة منذ نشأتها في أيام عبد الرحمن الداخل.