الصفحة 4 من 205

ولم يكن سقوطها عملًا بسيطًا تم إثر معركة، وإنما كان عملًا مخططًا على مدى طويل نسبيًا، ولقد تضافرت أسباب وعوامل مباشرة وغير مباشرة ساعدت على سقوطها، منها تعاظم القوى الإسبانية وانتعاشها مستغلة اشتعال نار الحرب الأهلية في الأندلس خلال أواخر عصر الإمارة ( ثورة ابن حفصون، ثورة المولدين في الثغور) فحصنت مواقعها في الشمال ثم تجاوزتها باتجاه الجنوب حتى وصلت إلى ضفة نهر دويرة الشمالية، حيث عمدت إلى بناء الحصون، وأضحت القوى الإسبانية مؤلفة من أربع دويلات، دولة ليون في الزاوية الشمالية الغربية، وقشتالة في الوسط الشمالي، وبرزت إمارة البشكنس (دولة نافارة) في السفوح الغربية لجبال البيرنيه، وفي شرقي هذه الجبال، وعلى شاطئ المتوسط حيث مدينة برشلونة، ظلت دويلة الثغر الإسباني التي ارتبطت منذ نشأتها بالكارولنجيين سادة غاليا، وعلى الرغم من انقسام القوى الإسبانية إلى دويلات وتناحرها فيما بينها فقد بقيت تلك القوى عاملًا خطيرًا مهددًا لدولة الخلافة الأموية، مما اضطرها لتجريد الحملات ضدها، وكان من نتائج هذه الحملات التي وُجهت إلى الشمال أن هُدّمت تلك المراكز الحصينة التي أقامتها القوى الإسبانية في ضفة نهر دويرة اليمنى، كما نزل العرب المسلمون بعضها الآخر، وأدت هذه الحملات إلى بسط سيادة الخلفاء على هذه الدويلات التي أعلن ملوكها الولاء للخلفاء، وعبّروا عنه بدفع المال، أو تقديم الحصون، أو بكليهما معًا، ولكن على الرغم من ذلك لم يُخضع الخلفاء المنطقة لحكمهم المباشر، وأبقوا للدويلات شخصيتها وحكامها الموالين لهم الذين لم يصل ولاؤهم بالطبع إلى حد التبعية والخضوع التام المباشر للخلفاء، كما هي حال جماعات المستعربين المقيمين على أرض الأندلس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت