الصفحة 28 من 205

لم يحاول يوسف بن تاشفين وحلفاءه الأندلسيون استغلال نصرهم بمطاردة العدو داخل بلاده؛ والزحفِ إلى أراضي قشتالة, بل لم يحاولوا السير إلى طليطلة لاستردادها، ولو بذل المرابطون هذه المحاولة في الوقت الذي تحطم فيه جيش الفونسو لكُللت بالنجاح بلا ريب.

وقد قيل في ذلك أن ابنَ عباد نصح أميرَ المسلمين بمطاردة ملك قشتالة والقضاء على فلوله، فأبى ابنُ تاشفين واعتذر بأن قال: إن اتبعناه اليوم لقي في طريقه أصحابنا المنهزمين راجعين إلينا منصرفين فيهلكهم, بل نصبرُ بقية يومنا حتى يرجع إلينا أصحابنا ويجتمعون بنا ثم نرجعُ إليه ونحسم داءَه, وتكلم الناس في اختلاف ابن عباد وابن تاشفين, فقالت شيع ابن عباد, لم يخفَ على يوسف أن ابن عباد أصاب وجهَ الرأي في معالجته لكن خاف إن يهلكَ العدوُ الذي من أجله استدعاه فيقع استغناء عنه, وقالت شيع يوسف, وإنما أراد ابن عباد قطع حبال يوسف من العودة إلى جزيرة الأندلس، وقال آخرون: كلا الرجلين أسرّ حسوًا في ارتغاء (يضرب مثلًا لمن يظهر أمرًا ويريد غيره) وإن كان رأي ابن عباد أحرى بالصواب.

إذا تركنا جانبًا نتائج المعركة من ناحية القتلى والغنائم التي لا يمكن تصورَ اتفاق في المصادر حولها إلا في طابع المبالغة الذي يسودها, نرى أن المعركةَ ذاتَ أهمية كبرى من نواحٍ متعددة, فقد كانت أولَ انتصارٍ، أو على الأقل أولَ نجاح من هذا النوع منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن, ثم إنها أوقفت مد الإسبان الشماليين نحو الجنوب في مجالي ضم الأراضي أو فرص السيادة المعبر عنها بدفع الجزية, كذلك رفعت هذه المعركة من معنويات المسلمين ومكانة المعتمَد بن عباد الذي تحمل وصمد للهجمة المعادية دون سائر الأندلسين, لكن أعظم تألقٍ كان من نصيب يوسف بن تاشفين والمرابطين إذ بهم انتهت الهزائم وبدأت الانتصارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت