أما الجهة الثانية فكانت من مالقة في جنوب الأندلس، حيث اتصل الأمير تميم بن بلقين بيوسف بن تاشفين كي يستعينَ به على أخيه ملكِ الدولة الزيرية، والذي هضم حقهُ في أمر وراثة جَدّه، أي أن تميمًا هذا رأى في قوة يوسف بن تاشفين المجاورة ما رأته دول الطوائف في الشمال في قوة الملوك الإسبان [1] .
وكانت الجهة الثالثة زعماء الرعية من الفقهاء، يمثلهم عبد الرحمن بن أسباط الذي التحق بيوسف بن تاشفين منذ سنة 472هـ وأوضح له أمور الأندلس وأصبح منذ ذلك الوقت بمثابة المستشار لشؤونها [2] . ومما لا ريب فيه أنه يمثل الرأيَ السيء في ملوك الطوائف.
أدرك ابن عباد أن المرابطين سيدخلون بدعوة منه أو بدونها لتوفر
تيار قوى لدعوتهم، لذلك قام باستلام زمام المبادرة، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ذلك فمنهم من كتب له ومنهم من شافهه، وكلهُم يُحذّر سوء العاقبة وقالوا له: الملك عقيم والسيفان لا يجتمعان في غِمد، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائره ومؤداها أنه يفضل رعي الإبل في الصحراء على رعي الخنازير في قشتالة، وقال لعذّاله ولوّامه، يا قوم أنا من أمري على حالين، حالة يقين وحالةُ شك ولا بُدّ لي من إحداهما، أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى ابن فردناند، فمن الممكن أن يفي لي ويُبقي علي ويمكن أن لا يفعل فهذه حالة شك، وأما حالة اليقين فهي أني إذا استندت إلى ابن تاشفين فأنا أُرضي الله، وإن استندت إلى ابن فردناند أَسخطتُ الله، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يُرضي الله وآتي ما يُسخِطه، حينئذ أقصر أصحابه عن لومه.
(1) -التبيان ص 102.
(2) -ابن الخطيب ج4 ص 350.