ويبدو أن الفقهاء كانوا يعيشون ربما أكثر من غيرهم حالة الغليان التي عَمّت الأندلس إثر سقوط طليطلة؛ بدليل أن أولئك الصامتين منهم في السابق قد انطلقوا للقيام بمبادرة مستقلة عن الملوك حينما اجتمعوا إلى قاضي الجماعة بقرطبة عبيد الله بن أدهم, وتداولوا في شأن وسيلة الإنقاذ التي وجدوها غير متوفرة في الأندلس وحدها, ولا تتهيأ إلا بمعونة إخوانهم من خارجها, وقد رأى فريق منهم الاستعانة بالقبائل العربية من سُليم وهلال التي عبرت المغرب الأدنى من الشرق وأثبتت شِدة مراس في الحرب وقدرةً في القتال, واقترحوا دعوتهم للدخول إلى الأندلس, والبذلَ لهم ومقاسمتَهم الأموال والمجاهدةَ معهم, ولكن قاضي الجماعة في قرطبة عارض الرأي لأن دخول هؤلاء سيؤدي لإيقاع الخراب ربما لأنهم عشائرُ لا ضابط لهم ولا قيادة, وفضّل على هذا الاقتراح رأيًا آخر يقول بدعوة المرابطين [1]
منذ اقتراب المرابطين من المضيق وسيطرتهم على طنجة, كانت وفود الأندلسيين ترد على المرابطين من جهات ثلاث أولُها من المتوكل بن الأفطس الذي ضغظ الإسبان على جهات بلاده الشمالية, فأخذوا شنترين وقلُمريّة، لكن الأدهى بالنسبة له ما أخذه من مملكة طليطلة عند مداخلة الفونسو السادس للقادر بن ذي النون واستلابه منه حصني سريةzanita وقورية، وقد أرسل رسالة عند أخذ الحصن الأول ورسالة ثانية عند أخذ الحصن الثاني الشديد الخطر عليه؛ لأنه رأسُ طريقٍ يؤدي رأسًا إلى عاصمته بَطَليوس، كما ظهر ذلك جليًا في معركة الزّلاّقة، لذلك كانت دعوته ليوسف بن تاشفين للقيام بالجهاد.
(1) -ابن الأثير ج8 ص 141.