من ناحية ثانية رأى الإسبان أن الساعة قد أزفت لتحقيق مطمحهم، إذ زالت هالة المجد والقوة والتقدم التي كانت تحيط بالعرب المسلمين في أذهانهم، فقد قال أحد رؤساء الجند عن أهل قرطبة:"كنا نظن أن الدينَ والشجاعةَ والحقَ عند أهل قرطبة، فإذا القومُ لا دينَ لهم ولا شجاعةَ فيهم ولا عقولَ معهم، وإنما اتفق ما اتفق من الظهور والنصر كان بفضل ملوكهم، فلما ذهبوا انكشفَ أمرهم [1] ."
وعلى رغم ذلك لم ير الملك الإسباني المواجهة والإجهاز على حكم ملوك الطوائف- كما كانت تستهدف الغزوة الصليبية- وذلك لمعرفة الملك الإسباني بأوضاع شبه الجزيرة أكثر، ولمعرفته بأحوال العرب المسلمين من الداخل عِبر مداخلات قومه معهم، وعبر الأشخاص الذين انتقلوا لخدمته من بلاطات ملوك الطوائف مثل شيشند أو شيشلاند [2] .
ولذلك كانت خطته العامة أن يخضعهم للجزية ويضرب بعضَهم ببعض، فيفتقرون هم ويضعفون، ويغنى هو ويقوى، وما بين الحين والآخر يستولي على جزء من بلادهم دون قتال أو تعب.
وليس هذا الاستنتاجُ استنتاجَ مؤرخ حديث بعد استقراء الحوادث وسلوك ألفونسو السادس، وإنما ذكرها الأمير عبد الله الزيري المشارك في الأحداث، كما يؤكد بدوره أن هذا ليس استنتاجًا منه وإنما كان سياسة مقررة في بلاط الملك الإسباني بعد مداولات مع رجاله، وقد عبر عن ذلك شيشند بقوله:""
... هم الآن عند التمكن طامعين بأخذ ظلاماتهم، فلا يصح ذلك إلا بضعف
الحال والمطاولة حتى إذا لم يبق مال ولا رجال أخذناها بلا تكلف" [3] ."
(1) -ابن عذاري ج3 /290.
(2) -ظهر أيام المعتضد بن عباد وسفر بينه وبين فرناندو ملك قشتالة، ثم نزح إلى جليقية وخدم فرناندو ثم من بعده ابنه ألفونسو.
(3) -التبيان ص 76.