وقد أدرك العلماء خطورة التشدد في هذا الباب لمنافاته العدل والإنصاف وحذَّروا من الوقوع فيه .
قال الحافظ ابن حجر: وليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل ، فإنه إن عدّل أحدًا بغير تثبت كان كالمثبت حكمًا ليس بثابت فيُخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثًا وهو يظن أنه كذب ، وإن جرح بغير تحرزٍ أقدم على الطعن في مسلمٍ بريء من ذلك ووسمه بميسم سوءٍ يبقى عليه عاره أبدًا [1] .
فإذا تشدَّد الناقد وجرح الراوي وردَّ روايته لوقوع خطأٍ قليلٍ منه فلن يسلم له من الرواة أحد فمن ذا يسلم من الخطأ .
قال وكيع: ومن يسلم من الغلط ؟ [2] .
وقال ابن المبارك: من ذا سلم من الوهم ؟ [3] .
وقال يحيى بن معين: لست أعجب ممن يُحدِّث فيُخطئ وإنما أعجب ممن يحدث فيُصيب [4] .
وقال الإمام الذهبي مخاطبًا للعقيلي وهو أحد المتشدِّدين في هذا الباب: أشتهي أن تُعرِّفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يُتابع عليه ؟ ... حتى قال: ثم ما كل من فيه بدعة أو له هفوة أو ذنوب يُقدح فيه بما يُوهِن حديثه ولا من شَرْط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ [5] .
وقال ابن حجر: لو كان كل من روى شيئًا منكرًا استحق أن يُذكر في الضعفاء لما سلِم من المحدثين أحدٌ لاسِيَّما المُكثر منهم [6] .
وقال أحمد بن حنبل: من يعرى من الخطأ والتصحيف [7] .
ومن خطورة التشدد أنه يجعل قول صاحبه ساقطًا ، وحكمه مردودًا مع إمامته وديانته .
(1) نزهة النظر شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر لابن حجر العسقلاني ( ص69 ) .
(2) تاريخ بغداد ( 11 / 452 ) .
(3) لسان الميزان لابن حجر ( 1 / 109 ) .
(4) تهذيب الكمال للمزي ( 31 / 561 ) .
(5) ميزان الاعتدال ( 2 / 230 ) .
(6) لسان الميزان ( 2 / 353 ) .
(7) تهذيب الكمال (31 / 338 ) .