الصفحة 36 من 92

وقد أدرك العلماء خطورة التشدد في هذا الباب لمنافاته العدل والإنصاف وحذَّروا من الوقوع فيه .

قال الحافظ ابن حجر: وليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل ، فإنه إن عدّل أحدًا بغير تثبت كان كالمثبت حكمًا ليس بثابت فيُخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثًا وهو يظن أنه كذب ، وإن جرح بغير تحرزٍ أقدم على الطعن في مسلمٍ بريء من ذلك ووسمه بميسم سوءٍ يبقى عليه عاره أبدًا [1] .

فإذا تشدَّد الناقد وجرح الراوي وردَّ روايته لوقوع خطأٍ قليلٍ منه فلن يسلم له من الرواة أحد فمن ذا يسلم من الخطأ .

قال وكيع: ومن يسلم من الغلط ؟ [2] .

وقال ابن المبارك: من ذا سلم من الوهم ؟ [3] .

وقال يحيى بن معين: لست أعجب ممن يُحدِّث فيُخطئ وإنما أعجب ممن يحدث فيُصيب [4] .

وقال الإمام الذهبي مخاطبًا للعقيلي وهو أحد المتشدِّدين في هذا الباب: أشتهي أن تُعرِّفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يُتابع عليه ؟ ... حتى قال: ثم ما كل من فيه بدعة أو له هفوة أو ذنوب يُقدح فيه بما يُوهِن حديثه ولا من شَرْط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ [5] .

وقال ابن حجر: لو كان كل من روى شيئًا منكرًا استحق أن يُذكر في الضعفاء لما سلِم من المحدثين أحدٌ لاسِيَّما المُكثر منهم [6] .

وقال أحمد بن حنبل: من يعرى من الخطأ والتصحيف [7] .

ومن خطورة التشدد أنه يجعل قول صاحبه ساقطًا ، وحكمه مردودًا مع إمامته وديانته .

(1) نزهة النظر شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر لابن حجر العسقلاني ( ص69 ) .

(2) تاريخ بغداد ( 11 / 452 ) .

(3) لسان الميزان لابن حجر ( 1 / 109 ) .

(4) تهذيب الكمال للمزي ( 31 / 561 ) .

(5) ميزان الاعتدال ( 2 / 230 ) .

(6) لسان الميزان ( 2 / 353 ) .

(7) تهذيب الكمال (31 / 338 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت