الصفحة 32 من 92

وقال الرافعي: ينبغي أن يكون المُزكُّون بُرآء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفًا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق ، وقد وقع هذا لكثيرٍ من الأئمة جرحوا بناءً على مُعتقدهم وهم المُخطئون والمجروح مصيب [1] ، كقدح الدارقطني في أبي حنيفة ، والسبكي في الذهبي ، وابن منده في أبي نعيم .

3-المعرفة بأسباب الجرح والتعديل

ربما فعل الراوي أمرًا ظنه العالم جرحًا فرد به روايته ، وأسقط عدالته ، وضعف حديثه ، ومثله لا يستحق أن يضعف به ، ولذا كان شرطًا للعالم أن يعرف أسباب الجرح والتعديل التي يعتد بها العلماء .

قال ابن حجر: إن صدر الجرح من غير عارف بأسبابه لم يعتبر به [2] .

وقال: تقبل التزكية من عارف بأسبابها لا من غير عارف [3] .

وقال البدر بن جماعة: من لا يكون عالمًا بالأسباب لا يقبل منه جرح ولا تعديل لا بالإطلاق ولا بالتقييد [4] .

ولقد جرح بعض العلماء بعض الرواة فلما سئلوا عن سبب هذا الجرح ذكروا أشياء لا ينبغي أن يجرح بها .

وسيأتي لهذا الأمر مزيد تفصيل عند الحديث عن القواعد .

4-الخبرة بمدلولات الألفاظ وعادات الناس ولغات العرب

فقد يكون للفظ معنىً عُرفيًا يختلف باختلاف عُرف الناس فيكون في بعض الأزمنة مدحًا وفي بعضها ذمًا ، وهذا أمر شديد لا يدركه إلا فقيه بالعلم ، ولقد فطن بعض العلماء قديمًا لهذا الأمر فنقل ابن حجر في ترجمة عكرمة مولى ابن عباس عن الطبري أنه قال: ومن ثبتت عدالته لم يُقبل فيه الجرح ، وما تسقط العدالة بالظن ، وبقول فلان لمولاه: لا تكذب عليَّ وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعانٍ غير الذي وجَّهه إليه أهل الغباوة ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب [5] .

(1) قاعدة في الجرح والتعديل ص 35 .

(2) نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص 69 .

(3) نزهة النظر ص 66 .

(4) الرفع والتكميل ص 68 .

(5) هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر: ص 451 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت