وقال الرافعي: ينبغي أن يكون المُزكُّون بُرآء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفًا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق ، وقد وقع هذا لكثيرٍ من الأئمة جرحوا بناءً على مُعتقدهم وهم المُخطئون والمجروح مصيب [1] ، كقدح الدارقطني في أبي حنيفة ، والسبكي في الذهبي ، وابن منده في أبي نعيم .
3-المعرفة بأسباب الجرح والتعديل
ربما فعل الراوي أمرًا ظنه العالم جرحًا فرد به روايته ، وأسقط عدالته ، وضعف حديثه ، ومثله لا يستحق أن يضعف به ، ولذا كان شرطًا للعالم أن يعرف أسباب الجرح والتعديل التي يعتد بها العلماء .
قال ابن حجر: إن صدر الجرح من غير عارف بأسبابه لم يعتبر به [2] .
وقال: تقبل التزكية من عارف بأسبابها لا من غير عارف [3] .
وقال البدر بن جماعة: من لا يكون عالمًا بالأسباب لا يقبل منه جرح ولا تعديل لا بالإطلاق ولا بالتقييد [4] .
ولقد جرح بعض العلماء بعض الرواة فلما سئلوا عن سبب هذا الجرح ذكروا أشياء لا ينبغي أن يجرح بها .
وسيأتي لهذا الأمر مزيد تفصيل عند الحديث عن القواعد .
4-الخبرة بمدلولات الألفاظ وعادات الناس ولغات العرب
فقد يكون للفظ معنىً عُرفيًا يختلف باختلاف عُرف الناس فيكون في بعض الأزمنة مدحًا وفي بعضها ذمًا ، وهذا أمر شديد لا يدركه إلا فقيه بالعلم ، ولقد فطن بعض العلماء قديمًا لهذا الأمر فنقل ابن حجر في ترجمة عكرمة مولى ابن عباس عن الطبري أنه قال: ومن ثبتت عدالته لم يُقبل فيه الجرح ، وما تسقط العدالة بالظن ، وبقول فلان لمولاه: لا تكذب عليَّ وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعانٍ غير الذي وجَّهه إليه أهل الغباوة ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب [5] .
(1) قاعدة في الجرح والتعديل ص 35 .
(2) نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص 69 .
(3) نزهة النظر ص 66 .
(4) الرفع والتكميل ص 68 .
(5) هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر: ص 451 .