ولقد أحسن الإمام الذهبي في عرض هذه الأقسام فقال:
... القسم الأول: مُتعنِّت في التوثيق ، مُتثبِّت في التعديل .
القسم الثاني: المُتساهلون المُتسامحون .
القسم الثالث: المُعتدلون المُنصفون [1] .
وسأذكر لك لا حقًا سمات كل مدرسة وأبرز الممثلين لها تفصيلًا .
المبحث الثاني: طبقات المتكلمين في الرجال
تكلَّم في الرجال جرحًا وتعديلًا جماعةٌ من العلماء وصفهم الإمام السخاوي بأنهم: خلقٌ من نجوم الهدى ، ومصابيح الظُلَم المُستضاء بهم في دفع الردى ، لا يتهيَّأ حصرهم في زمن الصحابة رضي الله عنهم وهلُمَّ جرَّا [2] .
فبيَّنوا أحوال الرواة جرحًا وتعديلًا ، ولم يُحابوا في ذلك أحدًا ، ووضعوا لذلك القواعد والأُسس التي بنوا على أساسها كلامهم في الرجال ، ولكنهم تفاوتوا في تطبيق هذه القواعد تشدُّدًا وتساهُلًا .
وقد بدأ الكلام في الرجال جماعةٌ من الصحابة من أشهرهم:
عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وعائشة وغيرهم ولكن ذلك كان قليلًا جدًا ، ومعظمه مُنصرِفٌ إلى الضبط ، لأن الصحابة جميعًا عدول ، فلا يوجد بينهم من يكذب ، ولكن قد يوجد بينهم من يخطئ ، ولذلك كان معظم كلام الصحابة متجه إلى الضبط لا إلى العدلة .
ثم تبعهم جماعةٌ من التابعين من أشهرهم:
الشعبي ، وابن سيرين فتكلموا في الرجال جرحًا وتعديلًا ولكن كلامهم كان قليلًا بالنسبة لمن بعدهم لقلة الضعف في عصرهم إذ أكثر المحدِّثين صحابةٌ عدول ، وغير الصحابة من التابعين أكثرهم ثقاتٌ صادقون يعون ما يروون ، وهم كبار التابعين ، فلا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيفٌ إلا الواحد بعد الواحد كالحارث الأعور ، والمختار الكذَّاب ، وعاصم بن ضمرة [3] .
(1) ذكر من يُعتمد قوله في الجرح والتعديل ( ص 171 ، 172 ) .
(2) المتكلمون في الرجال للسخاوي ( ص 93 ) .
(3) المتكلمون في الرجال للسخاوي ( ص 93 ) .