وقال الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشامي تعليقًا على هذا الكلام: وليس الحُكَّام والمُحدِّثون سواء فإن الحكام أعذر لأنهم لا يحكمون إلا بالبيِّنة المعتبرة وغيرهم يعتمد مجرد النقل [1] . وهو تعليقٌ حسنٌ مفيد .
قال الإمام السخاوي: الجرح والتعديل خطر ، لأنك إن عدّلت بغير تثبُّتٍ كنت كالمُثبت حكمًا ليس بثابت فيُخشى عليك أن تدخل في زمرة من روى حديثًا وهو يظن أنه كذب ، وإن جرَّحت بغير تحرُّزٍ أقدمت على الطعن في مسلمٍ برئ من ذلك ووسمته بميسم سوءٍ يبقى عليه عاره أبدًا ، فالجرح خطرٌ أيّ خطر ، فإن فيه مع حق الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - حق آدمي [2] .
ولهذا قلّ عدد النُقَّاد الذين تكلَّموا في الرواة جرحًا وتعديلًا نظرًا لخطورة أمره ، ووعورته ، وصعوبة الشروط التي اشترطها العلماء في المعدِّلين والمجرِّحين .
وعلماء السلف حينما تكلَّموا في رواة الحديث كانت الديانة تقودهم إلى إحقاق الحق ، وكانوا بعيدين عن الهوى والميل ، فلم يتركوا الإنصاف طرفة عين خاصةً في التجريح لأنه من أخطر الأمور .
وما وقع من بعضهم من تشدُّدٍٍ وتعنُّتٍ في التجريح أحيانًا ، إنما دفعهم إليه محض الاجتهاد وليس الهوى والعصبية .
فكانوا يتحرَّزون من التجريح لأنهم علموا أنهم إن جرحوا بريئًا فقد طعنوا في مسلمٍ برئ ووصفوه بسوءٍ يبقى عليه عاره أبد الدهر ، وهذا فيه خطرٌ عظيم لأن فيه مع حق الله حق آدمي ، وربَّما ناله بسبب هذا الجرح ضررٌ في الدنيا فمقته الناس وتباعدوا عنه فيُطالِب بحقه يوم القيامة ممن جرحه ظلمًا فمنعهم ذلك من محاباة أقاربهم ، وأحبابهم ، كما منعهم من التحامل على أعدائهم فسلكوا طريق الجادة ، وتكلَّموا بلسان الإنصاف عند الغضب والرضا ، رضوان الله عليه جميعا .
الفصل الثاني
(1) عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان للصالحي ( ص 405 ) .
(2) فتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوي ( 3 / 265 ) .