الصفحة 21 من 92

قال العز بن عبد السلام: لا يجوز للشاهد أن يُجرَح بذنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما ، فإن القدح إنما يجوز للضرورة فليُقدَّر بقدرها [1] .

ولذلك وضع العلماء ضوابط للجرح حتى يؤدِّي الغاية من مشروعيته ويكون من عوامل حفظ السنة وحمايتها .

وبعد اتِّضاح هذه الحقائق يجب أن نعلم أن تجريح الرواة لا يكون بهدف الطعن فيهم أو الانتقاص منهم ، وإنما الهدف منه: حماية الدين الذي يتوقف على سلامته صلاح الدنيا والآخرة ، وهو من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين , والنصيحة واجبة في الجملة يُثاب فاعلها متى قصد بها وجه الله تعالى سواءً كانت النصيحة عامة أو خاصة .

المبحث الثامن: أهمية هذا العلم وخطورته

يُعدُّ علم الجرح والتعديل من أهم علوم الحديث بل من أهم العلوم قاطبة ، وأعظمها شأنًا ، وأبعدها أثرًا ، إذ به يتميز الصحيح من السقيم ، والمقبول من المردود .

وهو علم ميزان رجال الرواية , تُعرف به قيمة الراوي فتثقل كفته ويُقبل حديثه ، أو تخف به كفته فتُرفض أحاديثه وتُردُّ رواياته .

ولذلك اعتنى به علماء الحديث كل العناية ، وبذلوا فيه أقصى جهدٍ ، تصنيفًا وتطبيقًا ، وانعقد إجماع العلماء على مشروعيته بل على وجوبه لشدة الحاجة إليه .

والكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا علمٌ صعبٌ عسيرٌ ، ومزلقٌ جِِدُّ خطير ، ولا يكمُل للكلام فيه إلا القليل من العلماء .

ولذلك قال ابن دقيق العيد: أعراض المسلمين حفرةٌ من حُفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدِّثون ، والحكَّام [2] .

(1) فتح المغيث للسخاوي ( 3 / 272 ) .

(2) الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد ( ص 334 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت