وقد قَيّض الله لهذه الأمة علماءًا عظامًا ، وجهابذة كبارًا فدافعوا عن السنة وردُّوا عنها الكذب والزيف ، ولم يخلُ عصر من مُتكلِمٍ في الرواة جرحًا وتعديلًا حتى كان نتاج ذلك عِلمًا مُتفرِّدًا لم يتيسر لأمةٍ في القديم أو الحديث ، وهو علم: الرجال ، أو علم: الجرح والتعديل .
وتميَّزت أمتنا بهذا العلم حتى صار من الممكن معرفة المقبول من المردود من الحديث ، وتمييز كل راوٍ من غيره ، ومعرفة درجة كل راوٍ من حيث العدالة والضبط .
وكما وعد الله الأمة بحفظ القرآن فقد يسَّر لها الأسباب التي تحفظ بها السنة ، وهي شارحة القرآن ، ومبينة أحكامه , وحفظ المُبيَّن يستلزم حفظ المُبيِّن
قيل لابن المبارك هذه الأحاديث الموضوعة ؟ فقال: تعيش لها الجهابذة [1] .
فهبَّ علماء السنة لوضع القواعد التي على أساسها يُقبل الحديث أو يُرد ، وتكلموا عن رجال الحديث تعديلًا وتجريحًا ، ونقدوا المرويات ، وميَّزوا بين المقبول والمردود .
ولا يظن البعض أن قواعد هذا العلم لم تكن معروفة قبل ذلك الوقت ، فقد كانت قواعده معروفةٌ متداولةٌ شائعةٌ معمولٌ بها ، فتكلَّم في الرجال صغار الصحابة الذين طالت أعمارهم ، وعاصروا ظهور الفتن كابن عباس ، وأنس بن مالك ، وأم المؤمنين عائشة وأضرابهم .
ثم تلاهم التابعون فتكلم في الرجال منهم: سعيد بن المسيب ، ومجاهد بن جبر ، والزهري ونظراءهم ، ولم يكن الضعف بينهم منتشرًا .
(1) الكفاية في علم الرواية ( 1 / 37 ) ، التعديل والتجريح ( 1 / 291 ) .