ولكن الكلام في الرجال جرحًا وتعديلًا كان قليلًا في زمن الصحابة لأن الرواة في ذلك الزمن كانوا من الصحابة ، والصحابة كلهم عدول بتعديل الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لهم ، فلم يكونوا يعرفون الكذب في حديثهم فضلًا عن أن يكذبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم نقلوها إلى التابعين كما سمعوها من فم النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وظل الأمر على ذلك حتى ظهرت الفتنة بعد مقتل الخليفة الثالث: عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، وحاول البعض أن يُؤيِّد موقفه بالسنة ، فبدأ الصحابة ينتبهون لهذا الأمر ، ويسألون عن أسانيد الأحاديث ، ويتثبَّتون في النقل ، ويتحرَّون في الرواية ، فتكلَّم في ذلك ابن عباس ، وأنس وعائشة وغيرهم ، وقد وجدوا في أدلة الشرع ما يؤكِّد هذا المنهج ويُوجبه حمايةً للسنة ودفاعًا عنها .
فبدأ البحث والتفتيش عن حال الرواة ، إلا أن الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا كان قليلًا في هذا الزمن المبارك لقلَّة بواعثه , ولأن أكثر الرواة صحابة ، والصحابة كلهم عدول ، والرواة من التابعين أكثرهم ثقات فلا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيفٌ إلا الواحد بعد الواحد من التابعين .
ثم ظهرت الفِرق والجماعات ، واندسَّ بينهم من أراد الكيد للإسلام والمسلمين ، و حاولت كل فرقة مناصرة معتقدها بالأدلة الشرعية ، فوجدوا أن القرآن محفوظٌ في الصدور منقولٌ بالتواتر محفوظٌ من الزيادة والنقصان بحفظ الله له فاتجهت همَّتهم إلى السنة ، فاختلقوا الأحاديث الباطلة ، ونسبوها زورًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ترويجًا لبدعتهم ، وليُقنعوا الناس بباطلهم .
فنشأ علم الجرح والتعديل مقترنًا بنشأة الرواية في الإسلام لأنه لازمٌ للتمييز بين المقبول والمردود .