وقد أحس السلف بوطأة الناقدين عليهم فأخذوا يبينون للناس وجه تصديهم لهذا الشأن ، فعن شعبة أنه كان يسمي الجرح والتعديل: الغيبة في الله ، وقال إسماعيل بن عُلَيَّة: إن هذا أمانة وليس بغيبة .
وسئل أبو مُسْهِر عن الرجل يغلط ويهم ويصحف ؟ فقال: بين أمره ، فقيل له: أترى ذلك غيبة ؟ قال: لا .
ومثل هذا روي ن أحمد بن حنبل حين رآه شيخ وهو يجرح الرواة ، فقال له الشيخ: يا شيخ لا تغتب العلماء ، فالتفت إليه أحمد وقال: ويحك هذا نصيحة وليس بغيبة (1) .
والآثار في ذلك كثيرة عن المحدثين ، المقصود أنهم لم يقدموا على هذا الشأن إلا بدافع شرعي سام ، وهو مصلحة المسلمين بحفظ نصوص الشرع عليهم من الانتحال والتحريف .
وقد استوفى ذلك الحافظ الخطيب البغدادي تلك الآثار في"الكفاية في علم الرواية" (2) فذكر الأدلة والنصوص والآثار عن السلف في بيان أن الجرح والتعديل ليس بغيبة ، وأن فيه مصلحة كبيرة للمسلمين ، وهذا يدل على أن المحدثين قد بنو نظرية الجرح والتعديل على أساس علمي سليم ولم يكن وليد هوى وشهوة نفس .
شروط الجارح والمعدل
وقد أدرك المحدثون جلالة ماهم فيه من تعرض لأحوال الرواة ، واعترفوا بأن مجال الجرح والتعديل مخطرة لا ينجو من تبعتها إلا من استعمل الديانة وركب متن التقوى والأمانة ، واشترطوا في الجارح والمعدل الخصال التي تجعل حكمه منصفا مبينا حال الراوي ، وهي:
... أولا: العلم والتقوى والتحري . يقول الحافظ ابن حجر:"وينبغي ألا يُقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ أي مستحضر ذي يقظة تحمله على التحري والضبط فيما يصدر عنه" (3) .
(1) شرح علل الترمذي لابن رجب ص78.
(2) الكفاية للخطيب البغدادي ص37.
(3) نزهة النظر شرح نخبة الفكر لابن حجر العسقلاني ص190