الصفحة 18 من 46

وقد أحس السلف بوطأة الناقدين عليهم فأخذوا يبينون للناس وجه تصديهم لهذا الشأن ، فعن شعبة أنه كان يسمي الجرح والتعديل: الغيبة في الله ، وقال إسماعيل بن عُلَيَّة: إن هذا أمانة وليس بغيبة .

وسئل أبو مُسْهِر عن الرجل يغلط ويهم ويصحف ؟ فقال: بين أمره ، فقيل له: أترى ذلك غيبة ؟ قال: لا .

ومثل هذا روي ن أحمد بن حنبل حين رآه شيخ وهو يجرح الرواة ، فقال له الشيخ: يا شيخ لا تغتب العلماء ، فالتفت إليه أحمد وقال: ويحك هذا نصيحة وليس بغيبة (1) .

والآثار في ذلك كثيرة عن المحدثين ، المقصود أنهم لم يقدموا على هذا الشأن إلا بدافع شرعي سام ، وهو مصلحة المسلمين بحفظ نصوص الشرع عليهم من الانتحال والتحريف .

وقد استوفى ذلك الحافظ الخطيب البغدادي تلك الآثار في"الكفاية في علم الرواية" (2) فذكر الأدلة والنصوص والآثار عن السلف في بيان أن الجرح والتعديل ليس بغيبة ، وأن فيه مصلحة كبيرة للمسلمين ، وهذا يدل على أن المحدثين قد بنو نظرية الجرح والتعديل على أساس علمي سليم ولم يكن وليد هوى وشهوة نفس .

شروط الجارح والمعدل

وقد أدرك المحدثون جلالة ماهم فيه من تعرض لأحوال الرواة ، واعترفوا بأن مجال الجرح والتعديل مخطرة لا ينجو من تبعتها إلا من استعمل الديانة وركب متن التقوى والأمانة ، واشترطوا في الجارح والمعدل الخصال التي تجعل حكمه منصفا مبينا حال الراوي ، وهي:

... أولا: العلم والتقوى والتحري . يقول الحافظ ابن حجر:"وينبغي ألا يُقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ أي مستحضر ذي يقظة تحمله على التحري والضبط فيما يصدر عنه" (3) .

(1) شرح علل الترمذي لابن رجب ص78.

(2) الكفاية للخطيب البغدادي ص37.

(3) نزهة النظر شرح نخبة الفكر لابن حجر العسقلاني ص190

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت