والأولى أن يقال إن شعبة هو أول من تصدى لتجريح الرجال وإشهار الكلام عن الضعفاء والتحذير من الرواية عنهم ( كما روي عنه ذلك ) وتعقب المرويات لمعرفة أصولها والخطأ فيها ، أما ابن سيرين فكان أول من فتش عن أحوال الرجال على أساس معرفة من هم من أهل السنة أو من أهل البدعة كما يفهم ذلك من تفسيره كيفية السؤال عن الإسناد في عبارته المنقولة .
وشعبة تجاوز ذلك إلى مرحلة المعارضة بين الروايات والأخذ عن الثقات أي عمن عرف بالضبط والحفظ أيضا ، وليس مجرد أن يكون من أهل السنة (1) ، هذا ما بدا لي من تأمل ما نقل عن ابن سيرين وشعبة رحم الله الجميع .
وبهذا يتبين لنا أن الجرح والتعديل ابتدأ كعلم في عصر أتباع التابعين وبالأخص على يد شعبة بن الحجاج أبو بِسطام البصري ، ثم انتشر بعد ذلك في كل الأقطار .
وما ذكرنا عن أولية شعبة أو محمد بن سيرين لا ينفي بدء حصول الجرح والتعديل منذ وقت مبكر وليس على نحو منظم يعطيه صبغة العلم .
ويناسب هنا أن نؤرخ لهؤلاء الذين عرف عنهم التثبت فيما ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتبين لنا أ، علم الجرح والتعديل لم يكن علما لقيطا نشأ على غير رِشدة ، بل له جذور ضاربة في عمق العصور الفاضلة .
وأصل الجرح والتعديل إنما هو التثبت الذي هو خلق إسلامي حض عليه الدين وندب إليه المؤمنون ، فقال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"(2) ."
وقد توافرت آيات عديدة في التحذير من الخرص والظن والقول بغير علم ، قال الله تعالى: (قتل الخراصون ) (3) ، وقال تعالى: ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) (4) ، وقال تعالى: ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) (5) .
(1) انظر كتاب المجروحين لابن حبان ص46.
(2) الحجرات 6
(3) الذاريات 10
(4) النجم 28
(5) الإسراء 36