والذي يدعونا إلى تأخير تعيين وقت الفتنة - التي أرخ بها ابن سيرين بدأ الجرح والتعديل - هو استحالة ظهور الوضع وانتشاره في عهد الصحابة رضوان الله عنهم، إذ المتصور أنهم سيكونون أول المتصدين لأولئك الكذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل عبد الله بن عباس فيما مر معنا .
لكن يظهر أن الوضع قد بدأ يتعاظم بعد أن قل عدد الصحابة رضوان الله عليهم وأمن الكذابون من تصدي الصحابة ،فما اسهل أن يدعي كاذب أنه سمع من أبي سعيد الخدري وأبي هريرة بعد موتهما ، فعندئذ لم يعودوا يقبلون أي سند إلا أن يعرف راويه أنه من أهل السنة لتزول الشبهة في انتحاله وكذبه .
والذي يرجح أن الكذب ابتدأ انتشاره على يد الكيسانية ما جاء عن حرملة بن نصر العبسي ( من أصحاب علي بن أبي طالب ) أنه لما رأى أصحاب المختار بن عبيد الثقفي يكذبون في الحديث قال:"مالهم قاتلهم الله ، أي عصابة شانوا وأي حديث أفسدوا" (1) .
وعن إبراهيم النخعي قال:"إنما سئل عن الإسناد أيام المختار"قال ابن رجب:"وسبب هذا أنه كثر الكذب على علي في تلك الأيام" (2) .
وهذا مرجح قوي أن الفتنة المقصودة في كلام ابن سيرين هي فتنة المختار ، وقد ذهب إلى تعيين زمان السؤال عن الإسناد فتنة المختار الأستاذ نور الدين عتر في كتابه: منهج النقد في علوم الحديث (3) .
ومع أن عبارة ابن سيرين لا تنص على الأشخاص الذين ابتدءوا حركة السؤال عن الرجال والتفتيش في الأسانيد إلا أن النقاد تكاد تتفق كلمتهم على أن محمد بن سيرين نفسه أول من اشتهر عنه فعل ذلك .
(1) شرح علل الترمذي لابن رجب ص83 .
(2) السابق .
(3) منهج النقد في علوم الحديث . نور الدين عتر ص47.