وقد ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا , فأرسلني يوما لحاجة , فقلت: والله لا أذهب , وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم , فخرجت حتى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السوق , فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قبض بقفاي من ورائي , قال: فنظرت إليه وهو يضحك , فقال:"
(يا أنيس , ذهبت حيث أمرتك؟)
قلت: نعم , أنا أذهب يا رسول الله [1] .
وعنه أيضا , قال:"كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية , فأدركه أعرابي , فحبذه بردائه جبذة شديدة , ورجع نبي الله صلى الله عليه وسلم في نحر الأعرابي حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدّة جبذته , ثم قال: يا محمد , مر لي من مال الله الذي عندك , فألتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم ضحك , ثم أمر له بعطاء" [2] .
هذا ولقد حكى الصوفية عن أبي حفص أنه قال:
"منذ أربعين سنة أعتقد في نفسي أن الله ينظر إليّ نظر السخط" [3] .
ومن أطرف وأعجب ما نقلوا في ذلك هو ما حكاه الشعراني عن العلاء بن زياد أنه ربما بكى سبعة أيام متوالية لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا [4] .
فهذه هي شدة الصوفية وزيادتهم , تطرفهم ومغالاتهم في الخوف من الله تعالى , وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الخصوص:
"ومن خاف الله خوفا مقتصدًا , يدعو إلى فعل ما يحبه الله وترك ما يكرهه الله , من غير هذه الزيادة فحاله أكمل , وأفضل من حال هؤلاء , وهو حال الصحابة رضي الله عنهم ..."
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(3) غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج 1 ص 133 بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ط القاهرة.
(4) الطبقات الكبرى لعبد الوهاب الشعراني ج 1 ص 35.