الصفحة 52 من 342

وأفضل الطرق والسبل إلى الله ما كان عليه هو وأصحابه , ويعلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا الله بحسب اجتهادهم ووسعهم , كما قال الله تعالى {فأتقوا الله ما أستطعتم} وقال صلى الله عليه وسلم: (وإذا أمرتكم فأتوا منه ما أستطعتم فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء أو طريق أحد العبّاد والنسّاك أفضل من طريق الصحابة فهو مخطئ ضال مبتدع) [1] .

وإن الصوفية قد تطرفوا في التوكل على الله تعالى وقطع الأسباب , وإغلاق باب الوسائل , وترك التحرز والإحتياط , ففسروا التوكل بغير معناه الشرعي مما يخالف الكتاب والسنة , وعطّلوا الجوارح عن العمل , وظنوا أن الحركة تنافي اليقين والتوكل , فآثروا الخمول والكسل على الجد والعمل , ورجّحوا الراحة والسكون على الحركة والشغل كما نقل السلمي عن رويم بن أحمد البغدادي أنه قال:

"التوكل إسقاط رؤية الوسائط , والتعلق بأعلى العلائق" [2] .

ونقل عن الخواجة عبد الله الأنصاري الهروي أنه قال:

"التوكل هو إسقاط الطلب , وغض العين عن السبب إجتهادا في تصحيح التوكل" [3] .

ومثل ذلك قال ابن عجيبة الحسني موضحا للمصطلح الصوفي"التجريد":

الشغل دون الكسب بالعبادة ... محض التوكل , ورأي السادة

ثم السؤال آخر المكاسب ... وهو بشرط الإضطرار واجب

الاشتغال بالعبادة والتجريد عن الأسباب من أعظم القرب عند ذوي الألباب , إذ لا يصفو الباطن من الأعيار ويملأ بالمعارف والأسرار إلا إذا تخلص الظاهر من كثرة الأكدار , ولا يتخلص إلا إذا تجرد من الأسباب وأتكل على الملك الوهاب [4] .

(1) رسالة الصوفية والفقراء لشيخ الإسلام ص 20 ط دار الفتح القاهرة 1404 هـ.

(2) طبقات السلمي ص 43 ط مطابع الشعب 1380 هـ.

(3) منازل السائرين للخواجة عبد الله الأنصاري المتوفى 481 هـ ص 76 ط.

(4) الفتوحات الإلهية لأبن عجيبة الحسنى ص 234 , 235 ط عالم الفكر القاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت